ثقافة

ما الحدود بين "الذكاءين" البشري والاصطناعي؟.. كتاب جزائري يجيب

ألّفه مجموعة باحثين.

  • 113
  • 3:23 دقيقة
صورة الغلاف: ح.م
صورة الغلاف: ح.م

صدر حديثًا كتاب جماعي، يثير ويعالج بشكل بحثي، مسألة الحدود بين الذكاء الاصطناعي والإبداع البشري، شارك فيه مجموعة من الباحثين تحت إشراف الناقد والجامعي الأستاذ الدكتور لونيس بن علي.

ونشر لونيس بن علي غلاف الكتاب المعنون "معركة المستقبل: الذكاء الاصطناعي وحدود الإبداع البشري" على صفحته بمنصة التواصل الاجتماعي "فايسبوك"، وقال إنه ثمرة جهود مضنية لأعمال ورشة كتابة المقال الأدبي.

ويضع الكتاب في مركز اهتمامه العلاقة المتغيرة بين الذكاء الاصطناعي والإبداع البشري، في ظل التطور المتسارع للأدوات الرقمية التي أصبحت حاضرة في المجالات، بما فيها الكتابة والإنتاج الثقافي والفني والإعلامي، وما تثيره هذه التحولات من أسئلة حول طبيعة الإبداع ومستقبله وحدوده ومدى تأثيره على قيمة الإبداع وشرعية الاستعانة به الأعمال الإبداعية.

ويحمل المؤلفون هذه الأسئلة على عاتقهم ويضعونها في شكل إشكاليات تتفرع عنها أسئلة عديدة ويطرحون فرضيات، ثم يحللون الظاهرة وفق مناهج علمية ومعالجة صارمة، قبل أن يتوصلوا إلى نتائج موضوعية متنوعة.

وينطلق الكتاب الذي نشرته "دار خيال للنشر والترجمة"، من فكرة مفادها أن الذكاء الاصطناعي يمثل تحولًا نوعيًا في أدوات الإبداع الإنساني وآلياته، غير أن الإبداع، بحسب التصور الذي يقدمه العمل، لا يمكن اختزاله في الخوارزميات، باعتباره مرتبطًا بالوعي والتجربة والمعنى.

وفي المقابل، يفرض الذكاء الاصطناعي في هذه الحالة، إعادة تعريف مفهوم الإبداع ذاته، بما يجعله عملية تشاركية بين الإنسان والآلة، لا تقوم بالضرورة على الإقصاء أو التهميش، وإنما على التكامل، حيث يحتفظ الإنسان بدوره المركزي في إنتاج المعنى، بينما تتولى الآلة توسيع الإمكانات وتحسين أدوات الإنتاج.

ويشير النص التعريفي للكتاب إلى أن الإبداع في العصر الرقمي لم يعد ملكًا فرديًا خالصًا، بل أصبح فضاءً معرفيًا مفتوحًا يتقاطع فيه الإنسان مع التقنية في إنتاج أشكال جديدة من المعنى، مشيرا إلى أنه مع تطور الأدوات الذكية، تزداد الحاجة إلى الدور الإنساني في توجيه هذه الأدوات وانتقاء مخرجاتها وتقويمها وربطها بالسياق الثقافي والإنساني المناسب.

ولا يرى أصحاب المؤلف مانعا في الجمع بين الخبرة الإنسانية والقدرات التقنية، معتبرًا أن التفاعل بين الإنسان والآلة يفتح مجالًا جديدًا من الإمكانات التي لم تكن متاحة بالأنماط التقليدية للإبداع.

ويحمل اختيار عنوان "معركة المستقبل" دلالة على طبيعة النقاش المتزايد حول الذكاء الاصطناعي، بين من ينظر إليه بوصفه تهديدًا لقدرات الإنسان الإبداعية، ومن يراه أداة جديدة يمكن توظيفها لتوسيع آفاق الإنتاج الثقافي والمعرفي.

غير أن الكتاب يبدو، من خلال تقديمه، أقرب إلى مقاربة العلاقة من زاوية التفاعل والتكامل بدل وضع الإنسان والآلة في مواجهة حتمية.

وفي رده على سؤال حول مدى وجود حاجة إلى ضوابط أخلاقية وقانونية ترسم هذه الحدود بين "الذكاءين" البشري والاصطناعي، ذكر الناقد لونيس بن علي، أنه من الضروري وضع معايير ضابطة للعلاقة بين الإبداع والذكاء الاصطناعي، وإلا "سندخل في فوضى حقيقية، وسيرهن ذلك مستقبل الإبداع البشري".

ويرى بن علي أن السؤال الذي يجب طرحه هو "ما حاجة الفنان إلى الذكاء الاصطناعي؟"، مجيبا بأن هذا الأخير "يغطي على نقص الروح الإبداعية عند فنان ما، ويكمّل ما ليس فيه، بحثا عن شهرة قد يصيبها، ولو كان ذلك على حساب الإبداع نفسه".

وفي نفس الإشكالية، يرى الجامعي أن الذكاء الاصطناعي سيخلف فوضى عارمة، بحيث سيأتي يوم و"لن نتمكن من اكتشاف ما ينتمي إلى الإبداع البشري وما ينتمي إلى إنتاج الآلة"، معترفا بتفوق هذه الأخيرة، وقدرتها الخارقة على محاكاة الأساليب الفنية أو تجسيد أكثر الأفكار تطرفا وتجريدا.

إلا أن ما تنتجه الآلة، في تصور الناقد، لابد أن يظل خارج دائرة الإبداع، لأنه يفتقد إلى التفرد حتى لو ادعى الكمال، ويفتقد للهالة الفنية حتى لو أبان عن عبقرية خارقة.

وتزامن صدور الكتاب مع الجدل الدائر حول استعمال صاحب الرواية المرشحة لأرفع جائزة أدبية بفرنسا (غونكور)، الكندي من أصل هايتي، ثيليسون أوريليان، بخصوص الذكاء الاصطناعي في تأليف روايته.. وحول موقفه من الموضوع، قال لونيس بن علي إنه لم يقرأ الرواية ليحكم عليها، لكن النقطة التي يريد إثارتها: كيف نتهم رواية بأنها مكتوبة بالذكاء الاصطناعي باللجوء إلى الذكاء الاصطناعي نفسه الذي هو موضوع الإدانة؟ وتساءل "هل فقد النقاد قدرتهم على الإحساس بالنصوص الأدبية العظيمة حتى لجأوا إلى آلة صماء لتقول لهم إنّ نص فلان ليس بشريا!

والمهم بالنسبة للمتحدث هو أن من شأن هذا الجدل إعادة النظر في مفاهيم كثيرة، على غرار علاقة المؤلف بنصه، علاقة النص بالأسلوب، لافتا إلى أنه يجب عدم التسرع في الحكم على الروائي، وداعيا النقاد لأن يكتشفوا بأنفسهم الانتحال لا باللجوء إلى الآلة نفسها. وبالرغم أن الجدل لايزال في منطقة الاحتمال، إلا أنه لم يستبعد فرضية المؤامرة على نجاح الكاتب الكندي.