يتجه مشروع قانون المالية في الجزائر إلى تعزيز استخدام وسائل الدفع الإلكتروني وضبط المعاملات التجارية المنجزة عبر المنصات الرقمية، متناغما مع التوجهات التي تتبناها السلطات العمومية في سياق تفعيل الرقمنة في بعدها الاقتصادي.
وتتجسد هذه الخطوة من خلال إقرار حوافز ضريبية لفائدة التجار وأصحاب المهن الحرة والمؤسسات المالية، مقابل تشديد الالتزامات التصريحية على المتعاملين في التجارة الإلكترونية.
وفي هذا الإطار، يقترح المشروع منح تخفيض ضريبي بنسبة 10 بالمائة للمكلفين بالضريبة الخاضعين لنظام الضريبة الجزافية الوحيدة أو للضريبة على الدخل الإجمالي ضمن فئة الأرباح غير التجارية، شريطة إثبات تحصيل ما لا يقل عن 50 بالمائة من رقم أعمالهم أو إيراداتهم المهنية عبر وسائل الدفع الإلكتروني.
وترتبط الاستفادة من هذا الامتياز بتقديم الوثائق المثبتة للمبالغ المحصلة إلكترونيا عند إيداع التصريح السنوي، على أن يشمل العمليات المنجزة إلى غاية 31 ديسمبر 2028.
ويستهدف هذا الإجراء تغيير أنماط الدفع السائدة في النشاطات التجارية والمهنية، حيث لا يزال التعامل النقدي يشكل حصة معتبرة من تسوية المعاملات، بما يصعّب تتبع العمليات وإعادة تحديد رقم الأعمال الفعلي ويتيح المجال للتصريح بأرقام تقل عن المداخيل المحققة. وترى السلطات أن توفير حافز ضريبي مباشر قد يشجع المتعاملين على اعتماد الدفع الإلكتروني بصورة أوسع ويعزز إدماج صغار التجار وأصحاب المهن الحرة في المنظومة البنكية، إلى جانب دعم الاستراتيجية الوطنية لرقمنة الخدمات المالية.
حوافز ضريبية لدعم الدفع الإلكتروني في برنامج "عدل 3"
في السياق ذاته، يتضمن المشروع إجراء يستهدف تشجيع تسديد الأقساط إلكترونيا بالنسبة إلى المكتتبين في برنامج السكن بصيغة البيع بالإيجار "عدل 3"، من خلال منح البنوك التجارية و"بريد الجزائر" تخفيضا من الأساس الخاضع للضريبة على أرباح الشركات، في حدود قيمة العمولات التي تتكفل بها هذه المؤسسات مقابل عمليات الدفع الإلكتروني المتعلقة بهذه الأقساط.
ويُقترح تطبيق هذا الامتياز لمدة سنة واحدة ابتداء من الفاتح جانفي 2027، مع تحديد كيفيات الاستفادة منه وسقف العمولات المعنية، عند الاقتضاء، بموجب قرار من الوزير المكلف بالمالية.
ويأتي هذا التدبير في إطار مواصلة تشجيع الدفع الإلكتروني في المعاملات المرتبطة بالبرامج السكنية، من خلال تخفيف جزء من تكاليف العمولات التي تتحملها المؤسسات المالية، بما قد يدعم استخدام القنوات الرقمية في تسديد المستحقات، كما يندرج ضمن التوجه الرامي إلى مرافقة تنفيذ برنامج "عدل 3" وتوسيع الاعتماد على الخدمات المالية الإلكترونية.
إلزام المنصات الرقمية بالتصريح بالمعاملات التجارية
موازاة مع الحوافز الموجهة لتشجيع الدفع الإلكتروني، يقترح المشروع تعزيز الرقابة الجبائية على التجارة الإلكترونية، عبر إلزام متعاملي المنصات الرقمية، المقيمين وغير المقيمين في الجزائر، بالتعريف بأنفسهم لدى الإدارة الجبائية من خلال المنصة الرقمية المخصصة لهذا الغرض، متى كانت خدماتهم تتيح للأشخاص الطبيعيين أو المعنويين إجراء عمليات بيع السلع أو تقديم الخدمات داخل الجزائر.
كما يُلزم هؤلاء المتعاملين بإرسال تصريح إلكتروني سنوي، في أجل أقصاه 31 جانفي، يتضمن بيانات العمليات المنجزة عبر منصاتهم خلال السنة السابقة، بما في ذلك هوية البائعين ومقدمي الخدمات ووسائل الدفع المعتمدة وعدد المعاملات وقيمتها. وفي حال إنجاز العمليات بعملة أجنبية، يتعين تحويل المبالغ المصرح بها إلى الدينار الجزائري وفق سعر الصرف الساري عند تاريخ المعاملة.
ولا تقتصر الالتزامات الجديدة على تقديم البيانات، إذ يتعين على المنصات الرقمية إعلام البائعين ومقدمي الخدمات بأن معاملاتهم المنجزة في الجزائر تخضع للتشريع الجبائي الوطني وأن المعلومات المتعلقة بها تُرسل إلى الإدارة الجبائية الجزائرية.
غرامات تصل إلى مليون دينار وإمكانية تعليق المنصات
لضمان تنفيذ الالتزامات التصريحية، ينص الإجراء على توجيه إعذار إلى متعامل المنصة الذي لا يحترم واجب التصريح، مع منحه مهلة 30 يوما لتسوية وضعيته، وفي حال عدم الامتثال خلال هذه المدة تُفرض عليه غرامة جبائية قدرها مليون دينار، فضلا عن إمكانية مطالبة المدير العام للضرائب بتعليق الولوج إلى الموقع الإلكتروني للمنصة المعنية إلى غاية تسوية وضعيتها الجبائية.
وتعكس هذه الأحكام توجها نحو إخضاع النشاط التجاري الرقمي لقواعد أكثر وضوحا في مجال التصريح وتبادل المعلومات، مع تحميل المنصات مسؤولية المساهمة في توفير البيانات اللازمة للرقابة الجبائية.
تجمع التدابير المقترحة بين التحفيز والرقابة، فمن جهة تمنح امتيازات ضريبية لتشجيع استخدام وسائل الدفع الإلكتروني ومن جهة أخرى تفرض التزامات أكثر صرامة على المنصات الرقمية بشأن التصريح بالمعاملات. وتراهن الحكومة من خلال هذه المقاربة على تقليص الاعتماد على النقد وتحسين شفافية المعاملات وتوسيع نطاق المعلومات المتاحة للإدارة الجبائية، بما يساعد على الحد من التهرب الضريبي وتعزيز موارد الخزينة العمومية.
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المحتوى