لا يحدث أن يتحول الإرهاب إلى سياسة دولة بين ليلة وضحاها. ثمة تراكمات، وبيئات حاضنة، ولحظات انزياح كبرى في موازين القوى الإقليمية والدولية، تمنح المتطرفين في سدة الحكم فرصةً ذهبية لترجمة أيديولوجياتهم إلى قرارات تنفيذية، وقوانين تشريعية، وخطط عسكرية. وما تشهده الساحة الفلسطينية، من القدس إلى نابلس إلى غزة، ليس سلسلة "حوادث أمنية" منفصلة، ولا "فوضى مستوطنين" خارجة عن السيطرة، بل هو الوجه المكتمل لإستراتيجية كيان تخلّى عن قناع "إدارة الصراع" لصالح مشروع "فرض الوقائع" النهائية.
حين يصبح الأقصى بوابة "الخلاص" والسيادة
مشهد اقتحام 4248 مستوطناً للمسجد الأقصى الخميس الماضي، تحت حماية مشددة من الشرطة الإسرائيلية، يتقدمهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير وأعضاء كنيست وقادة "جماعات الهيكل"، ليس حدثاً استثنائياً في مسار الصراع على المدينة المقدسة؛ إنه نقلة نوعية: ما كان يُصنّف سابقاً "خرقاً للوضع القائم" يرتكبه متهورون، صار اليوم نشاطاً منظماً يحظى بحماية الدولة ومشاركتها الرسمية. الصلوات والطقوس التلمودية العلنية لم تعد استفزازاً هامشياً، بل إعلانَ نوايا مدعوماً بمنطق "السيادة الدينية" الذي تتبناه حكومة بنيامين نتنياهو.
ويكتسب هذا التصعيد بعده من تزامنه مع مسارين متوازيين، الأول، التوسع الاستيطاني المتسارع في الضفة الغربية عبر آليات "الضم الزاحف"، الذي وصفته منظمة العفو الدولية بأنه "لا رجعة فيه". والثاني، التحول الدراماتيكي في العقيدة العسكرية للكيان بعد السابع من أكتوبر 2023، من "الدفاع خلف الحدود الآمنة" إلى "خلق حدود جديدة بفعل الأمر الواقع" على أربع جبهات متزامنة هي غزة، والضفة الغربية، وجنوب لبنان، والجولان السوري المحتل.
الإرهاب كسياسة كيان من التهميش إلى مركز القرار
ثمة اعتراف صدر عن دوائر تصنف عادةً في خانة "الحلفاء" أو "الخصوم المنهزمين"؛ فمصطلح "الإرهاب الصهيوني" الذي طالما التصق بخطاب المعارضين للكيان، بات اليوم مصطلحاً متداولاً في تقارير منظمات حقوقية دولية، وفي تصريحات الإدارة الأمريكية عقب أحداث قرية برقة، بل وفي تحذيرات مسؤولين أمنيين صهاينة سابقين، على رأسهم رونين بار، رئيس الشاباك الأسبق، وبيني غانتس، وزير الحرب الأسبق.
لكن ما كان يوماً صوتاً من "العقل الأمني" الصهيوني المحذّر من تداعيات إرهاب المستوطنين على "صورة الكيان"، تحول اليوم إلى سياسة حكومية علنية، يتبناها ويمارسها وزراء في قلب الائتلاف الحاكم، كبن غفير، الذي يدعو جهاراً للتعامل مع القرى والمدن الفلسطينية "على غرار ما جرى في قطاع غزة"، ويربط مقتل أي صهيوني بخسارة الفلسطينيين للأرض والمنازل، وبتسلئيل سموتريتش، مهندس "الضم الاقتصادي" الذي تحول إلى مهندس "العقاب الجماعي"، بدعوته لاستخدام "قبضة من حديد" والتصريح بوضوح مذهل بأن الحرب الحالية ستنتهي "بتغيير حدود الكيان في غزة ولبنان وسورية والضفة".
هذا التصريح الأخير ليس مجرد خطاب تحريضي، بل هو إعلان نوايا يستند إلى ما تسميه أدبيات "الواقعية الهجومية" في العلاقات الدولية، وعلى رأسها أطروحات جون ميرشايمر، بـ "تعظيم القوة"؛ فالدولة - وفق هذا المنظور - لا تكتفي بتحقيق الأمن، بل تسعى للهيمنة الإقليمية كلما سنحت لها الظروف، لأن طبيعة النظام الدولي الفوضوية لا تضمن لها البقاء إلا بالتفوق الساحق.
وما يفعله الكيان اليوم على جبهاته الأربع؛ هو التطبيق الحرفي لهذه النظرية، في غزة، سيطرة على 70% من القطاع وتهجير قسري ممنهج. في الضفة، 3488 اعتداء للمستوطنين خلال النصف الأول من العام، تتكامل عضوياً مع إجراءات الجيش من هدم منازل وإغلاق وحصار.
في جنوب لبنان، احتفاظ بخمسة مواقع "إستراتيجية"، رغم اتفاق وقف النار، بضوء أخضر أمريكي اعترف به وزير الحرب كاتز. وفي الجولان، خطة لمضاعفة المستوطنين لترسيخ أمر واقع "لا يقبل التفاوض".
الفيتو الأمريكي والهندسة القانونية للفوضى والإفلات من العقاب
ما كان لهذا المشروع التوسعي أن يجد طريقه إلى التنفيذ بهذه الوتيرة المتسارعة لولا المظلة الأمريكية التي تطورت من "دعم استراتيجي" إلى "حماية دبلوماسية مطلقة"، فـ51 مرة استخدمت فيها واشنطن حق النقض (الفيتو) لحماية الكيان حتى جوان 2026، بما يمثل أكثر من نصف مجموع فيتواتها في تاريخ مجلس الأمن. وحدها، أجهضت الولايات المتحدة 6 مشاريع قرارات منذ أكتوبر 2023 تطالب بوقف فوري ودائم لإطلاق النار في غزة، وسط إجماع دولي عارم (14-1).
هذا النمط لا يعكس فقط انحيازاً سياسياً، بل يكشف، وفق ما تسميه النظرية النقدية في العلاقات الدولية، "هيمنة القانون بالقوة"؛ فالقانون موجود نظرياً على الورق، في ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن والشرعية الدولية، لكن تنفيذه يخضع كلياً لموازين القوى لا لمعايير العدالة.
فالقراران 242 و338، اللذان شكلا الإطار القانوني لحل الصراع لعقود، بقيا حبراً على ورق ليس بسبب غموض في صياغتهما، بل بسبب غياب الإرادة الدولية لفرض تنفيذهما. وهنا يصح توصيف الواقعيين للقانون الدولي بأنه "انعكاس لتوازن القوى"، وليس سلطة قائمة بذاتها. فطالما أن القوة العظمى الراعية للكيان لا تريد إلزامه، فإن أي قرار دولي يتحول إلى مجرد إعلان نوايا.
ووسط هذا الصخب من الأحداث، ثمّة مشروع أعمق وأكثر تجذراً يتكشف بصمت على امتداد خريطة المشرق العربي. مشروع لا يُدار بمنطق "الحرب على الإرهاب" ولا بخطاب "الردع" فحسب، بل بمنطق إعادة رسم الحدود وتغيير الوقائع الديموغرافية على الأرض.
إنه مشروع "إسرائيل الكبرى" الذي لم يعد شعاراً هامشياً في أدبيات اليمين الديني، بل تحول إلى عقيدة كيان تُترجم يومياً بقرارات حكومية وخطط استيطانية وعدوان عسكري، مدعوماً بغطاء أمريكي يصل إلى حد الحماية الدبلوماسية المطلقة، وباصطفاف إقليمي مهّدت له "الاتفاقيات الإبراهيمية".
ويتصرف الكيان اليوم وكأنه بصدد تأمين أطرافها الحيوية، ليس فقط بالاحتلال، بل بالضم والاستيطان؛ لتحويل "التهديد الوجودي" المزعوم إلى فرصة توسعية لا تتكرر. إنها إستراتيجية تحول "الخطر" إلى "فرصة"، و"الدفاع عن النفس" إلى "هجوم للاستيلاء"، و"الحرب على الإرهاب" إلى "إرهاب دولة" منظم وممنهج.
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المحتوى