الوطن

اقتحام سبتة.. من ابتزاز مدريد إلى حملة التضليل ضد الجزائر

من بين أبرز هذه الروايات، ما ادعاه المدير السابق لشرطة الحدود الفرنسية في تصريحات بثتها وسائل إعلام معادية للجزائر.

  • 2039
  • 3:51 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

تحولت أزمة اقتحام مدينة سبتة المحتلة من قبل آلاف الشباب المغاربة إلى منصة جديدة لاستهداف الجزائر سياسيا وإعلاميا، بعدما استغلتها أوساط اليمين المتطرف الفرنسي ومنصات محسوبة على المخزن لإطلاق حملة دعائية واسعة روجت لروايات غير موثقة تزعم أن غالبية المهاجرين جزائريون، في محاولة لتحويل الأنظار ونقل المسؤولية عن الأزمة من أسبابها الحقيقية وأهدافها الإستراتيجية من المغرب إلى الجزائر.

يأتي ذلك في سياق يكشف تداخل ملف الهجرة غير الشرعية مع حسابات الضغط الجيوسياسي، حيث يتهم المغرب بتوظيف ورقة الهجرة في علاقته مع مدريد والاتحاد الأوروبي وربطها بتحالفاته الخفية مع دوائر اليمين المتطرف الفرنسي الذي دخل على الخط من بوابة تصعيد حملاته الإعلامية التي تستهدف الجزائر وتعمل على الزج بها في أزمة تؤكد المعطيات الميدانية أنها بعيدة عنها.

في وقت تتهم أوساط سياسية وإعلامية موثوقة ومحايدة، المغرب باستخدام ورقة الهجرة كورقة تفاوض مع حكومة سانتشيز ودول أوروبية أخرى، من خلال تخفيف أو تشديد الرقابة على الحدود حسب طبيعة الخلافات السياسية مع مدريد، وهو سيناريو سبق أن برز خلال أزمة اقتحام سبتة سنة 2021، قبل أن يعود الملف إلى الواجهة مع تجدد التوترات التي جاءت بعد نحو أسبوع فقط من زيارة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى الجزائر وتوقيع عدة اتفاقيات ثنائية، الأمر الذي دفع العديد من المتابعين إلى الربط بين توقيت الأزمة وسياقها السياسي.

وفي خضم هذه التطورات، دخلت وسائل إعلام محسوبة على اليمين المتطرف في فرنسا، إلى جانب شخصيات سياسية متشددة، على خط الأزمة، مروجة مزاعم تفيد بأن أغلبية المهاجرين الذين وصلوا إلى سبتة هم جزائريون، في محاولة لإعادة توجيه النقاش بعيدا عن الوقائع الميدانية.

ومن بين أبرز هذه الروايات، ما ادعاه المدير السابق لشرطة الحدود الفرنسية في تصريحات بثتها وسائل إعلام معادية للجزائر، وعلى رأسها قناة "سي نيوز"، زاعما أن غالبية المهاجرين جزائريون، رغم غياب أي بيانات رسمية إسبانية أو أوروبية تؤكد تلك الأرقام، وهو ما يثير تساؤلات حول توظيف الملف سياسيا وإعلاميا لتوجيه الأنظار نحو الجزائر.

وتزداد هذه المزاعم ضعفا بالنظر إلى المعطيات الجغرافية والأمنية، إذ يروج اليمين المتطرف لأرقام تتحدث عن تدفق 36 ألف جزائري، أي ما يعادل 60 بالمائة من مجموع المهاجرين، متجاهلا استحالة عبور هذا العدد برا عبر الحدود المغربية الجزائرية المغلقة ومشددة الحراسة منذ عقود. ويرى متابعون أن تبني بعض المنابر الأوروبية المعادية للجزائر، للرواية المغربية يهدف إلى إبعاد الأنظار عن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها مناطق شمال المغرب، وتحويل النقاش نحو "عدو خارجي" يخدم أجندات سياسية تفتقت على التطرف والكذب.

وفي السياق نفسه، يربط المسؤول الفرنسي السابق غونتييه بين التركيبة الديموغرافية للمهاجرين وكونهم "ناطقين بالفرنسية"، في إشارة إلى الجزائر، محذرا مما سماه "الهجرة الثانوية" القادمة من سبتة نحو فرنسا، في خطاب ينسجم مع أطروحات اليمين المتطرف الساعية إلى تغذية المخاوف الأمنية والهوياتية داخل المجتمع الفرنسي والأوروبي عموما.

ولا يبدو الهدف، وفق مراقبين، التدقيق في حقيقة ما يجري على الحدود الإسبانية، بقدر ما يتمثل في استغلال معطيات الهجرة، بما فيها أرقام وكالة "فرونتكس" المتعلقة بمسارات الهجرة عبر إيطاليا والبلقان وإسبانيا، لتكريس سردية "الغزو المنظم" للحدود الأوروبية، بما يمنح أحزاب اليمين المتطرف ذريعة للمطالبة بتشديد الرقابة الحدودية وإلغاء سياسات تسوية أوضاع المهاجرين واللجوء.

ويكتسب هذا الخطاب زخما مع تزامنه مع مواقف الحكومة الإيطالية التي واصلت انتقادها لسياسات الحكومة الإسبانية في إدارة ملف الهجرة، في وقت تكشف بيانات وكالة "فرونتكس" أن إيطاليا بقيت الوجهة الأولى للمهاجرين غير النظاميين إلى أوروبا خلال الفترة الممتدة ما بين 2021 و2026، متقدمة بفارق كبير عن إسبانيا. وتشير الأرقام إلى تسجيل نحو 478.600 حالة دخول عبر إيطاليا، مقابل 340.600 عبر غرب البلقان، و259.800 عبر اليونان، و234.760 عبر إسبانيا، وهو ما يضع السردية اليمينية المتطرفة التي تصور إسبانيا باعتبارها البوابة الرئيسية للهجرة غير النظامية في سياق يحتاج إلى قراءة أكثر توازنا واستنادا إلى المعطيات الفعلية.

وفي موازاة ذلك، برز تحرك أمريكي لافت، تمثل في نشر مواقف وتصريحات داعمة للمغرب بشأن سبتة ومليلية، بالتزامن مع تحركات داخل الكونغرس الأمريكي لإثارة ملف السيادة المغربية المزعومة على المدينتين، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشرا على اتساع دائرة تدويل القضية وربطها بحسابات إستراتيجية تتجاوز الخلاف المغربي الإسباني.

تداخل الأبعاد الأمنية والسياسية والإستراتيجية

وتذهب بعض التحليلات إلى أن الاهتمام الأمريكي بهذا الملف يرتبط أولا بتصفية حسابات مع حكومة بيدرو سانشيز من جهة، وبالموقع الجيوسياسي الفريد لمضيق جبل طارق، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث ترى هذه القراءات أن أي تحول في موازين النفوذ على الضفة الجنوبية للمضيق قد يمنح الولايات المتحدة هامشا أوسع في إدارة مصالحها الأمنية والعسكرية في غرب البحر الأبيض المتوسط، خاصة في ظل التنافس الدولي المتزايد على الممرات البحرية الإستراتيجية.

وبذلك، تبدو أزمة سبتة، وفق هذه القراءة، أكثر من مجرد موجة هجرة غير نظامية، إذ تتداخل فيها رهانات الضغط السياسي، الحملات الإعلامية، أجندات اليمين المتطرف والحسابات الدبلوماسية المغربية المرسومة من قبل حلفائه في تل أبيب وواشنطن، فضلا عن الاعتبارات الجيوسياسية المرتبطة بالموقع الإستراتيجي للمدينتين، بل تذهب قراءات إلى التحذير من محاولة السيطرة على مسارات الإمداد الطاقوي بين ضفتي المتوسط مستقبلا، بما يجعلها إحدى أكثر الأزمات الإقليمية تشابكا من حيث تداخل أبعادها الأمنية والسياسية والإستراتيجية.