الوطن

العلاقات بين الجزائر وباريس أمام اختبار الثقة..

تعتبر الجزائر أن أي محاولة لتسييس العمل القضائي أو الاكتفاء بالاستجابة لمطالب الطرف الفرنسي (التعاون الأمني والاستخباراتي) دون التفاعل مع المطالب الجزائرية من شأنه أن يجعل مساعي التهدئة منقوصة وغير مكتملة.

  • 639
  • 4:26 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

يقوم وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، سعيد سعيود، خلال الأيام المقبلة، بزيارة إلى باريس لبحث ملفات التعاون الأمني وعدد من القضايا الثنائية ذات الطابع الحساس، وذلك وفق ما أعلنه وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونيز، في تصريحات إعلامية أول أمس. وتأتي هذه الزيارة عقب مهمة مرتقبة لوزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان إلى الجزائر، مخصصة لبحث ملفات قضائية وأمنية هامة بين البلدين.

في مقابلة مع صحيفة "لا تريبيون دو ديمونش" قال الوزير الفرنسي "سأستقبل نظيري الجزائري هنا خلال الأيام القليلة المقبلة. إنها إشارة إيجابية جدا. ويجري استئناف التعاون الأمني تدريجيا"، مشيرا إلى الزيارة التي كان قد قام بها إلى الجزائر منتصف شهر فيفري الماضي بدعوة من سعيد سعيود، بعد أشهر من التوتر بين البلدين.

وتحدث نونيز عن "عمل" مرتقب مع سعيود "لتبادل المعلومات يجب إعادة إطلاقه بشأن مهربي المخدرات، كما أن التعاون يتم في الاتجاهين". وعند سؤاله بشأن "منطق ليّ الذراع" مع الجزائر، الذي دعا إليه سلفه برونو روتايو، أجاب "فيما يتعلق بالشقين الأمني والهجرة، نحن مجبرون على الحوار مع الجزائر". وأضاف "إنها دولة كبيرة، تمتلك خبرة معينة في مجال الاستخبارات والأمن. ومن الضروري إقامة تبادل معها"، موضحا أن "عدة ملايين من الأشخاص على ضفتي البحر الأبيض المتوسط معنيون بالعلاقة الفرنسية الجزائرية ويعيشونها بشكل مباشر جدا". وتساءل قائلا "ما الفائدة من الدخول في مواجهة في مثل هذه الظروف؟". وحسب رأيه، فإن "الذين لا يسعون إلا إلى استفزاز الجزائر لا يفكرون في مصالح فرنسا، بل في مصالحهم الانتخابية".

..هذه أبرز الملفات الخلافية

وبالحديث عن التعاون القضائي والأمني بين الجزائر وفرنسا، تبرز عدة ملفات خلافية لا تزال مطروحة بين الجانبين، في ظل تأكيد الجزائر على ضرورة إرساء تعاون قضائي متوازن وندّي يركز على استرجاع الأموال المنهوبة وتسليم المطلوبين.

وتعتبر الجزائر أن أي محاولة لتسييس العمل القضائي أو الاكتفاء بالاستجابة لمطالب الطرف الفرنسي "التعاون الأمني والاستخباراتي" دون التفاعل مع المطالب الجزائرية من شأنه أن يجعل مساعي التهدئة منقوصة وغير مكتملة.

وفي هذا الإطار، يتمحور أول هذه الملفات حول استرجاع الأموال المنهوبة والأصول العقارية المدرجة ضمن عشرات الإنابات القضائية التي أرستها الجزائر إلى باريس دون تجاوب من هذه الأخيرة، حيث تطالب الجزائر بتعزيز التعاون القضائي مع الجانب الفرنسي لتسهيل عمليات تتبع وتجميد ومصادرة الأموال والأملاك العقارية الموجودة على الأراضي الفرنسية، والتي يشتبه في تحويلها من قبل مسؤولين ورجال أعمال سابقين محكوم عليهم في قضايا فساد داخل الجزائر.

كما تشدد الجزائر على ضرورة الإسراع في تفعيل الإنابات القضائية الدولية وعددها يفوق الستين إنابة، بما يسمح بتتبع الأصول والأرصدة البنكية المرتبطة بهذه القضايا بشكل فعال.

ويتصل بهذا الملف قضية تسليم المطلوبين قضائيا في ملفات تتعلق بالفساد أو الأمن، حيث تؤكد الجزائر على أهمية تسليم الأشخاص الصادرة بحقهم أوامر قبض دولية، سواء في قضايا الفساد المالي أو في قضايا تمس الأمن القومي، بما في ذلك بعض الجزائريين الذين تصنفهم السلطات الجزائرية ضمن خانة المهددين للأمن الوطني أو المدرجين ضمن القائمة الوطنية للإرهاب.

كما تدعو الجزائر إلى التطبيق الكامل لاتفاقية تسليم المجرمين الموقعة بين البلدين، ورفض أي تعطيل قد يستند إلى مبررات مثل اللجوء السياسي أو ازدواجية الجنسية.

ومن بين الملفات الحساسة أيضا قضية الموظف القنصلي الجزائري الموقوف في فرنسا منذ أفريل 2025، حيث تطالب الجزائر بالإفراج الفوري وغير المشروط عنه، معتبرة أن استمرار حبسه الاحتياطي يمثل خرقاً لاتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية. كما ترفض الجزائر ما تعتبره تسييسا لهذا الملف، على خلفية الاتهامات الفرنسية المتعلقة بمحاولة اختطاف "جزائري متواجد في التراب الفرنسي"، داعية إلى معالجة القضية عبر القنوات السيادية والتنسيق الأمني المشترك بما يحول دون مزيد من التوتر بين البلدين.

وفي سياق آخر، يبرز ملف قضايا الأحوال الشخصية وقانون الأسرة في إطار حماية ومتابعة أحوال الجالية، حيث تدعو الجزائر إلى إبرام اتفاقيات ثنائية واضحة تنظم النزاعات المرتبطة بالعائلات المختلطة، خاصة ما يتعلق بالطلاق وحضانة الأطفال ومصير الأبناء الناتج عن الزيجات المختلطة، مع مراعاة خصوصية القوانين والتشريعات الوطنية لكل طرف.

وتعكس هذه الملفات مجتمعة استمرار التباين في مقاربات التعاون القضائي والأمني بين الجزائر وفرنسا، في ظل سعي الجزائر إلى ترسيخ تعاون يقوم على التوازن والندية في معالجة القضايا العالقة، مقابل تعقيدات قانونية وسياسية فرنسية لا تزال تلقي بظلالها على مسار التنسيق الثنائي.

توافق رسمي على مهاجمة دعاة استعداء الجزائر

وتتناغم تصريحات وزير الداخلية الفرنسي نونيز ضد دعاة "استفزاز الجزائر ومقاطعتها لدواع انتخابية ومصالح سياسية" مع سلسلة مواقف رسمية وسياسية صدرت في فرنسا بشكل متتابع ومتزامن عقب التصريح القوي للرئيس إيمانويل ماكرون، في سياق يعكس انقساما داخليا حادّا داخل المشهد السياسي الفرنسي، إلى جانب مساع متزايدة لإعادة بناء العلاقات مع الجزائر وإغلاق ملف التوترات.

وسيسافر سعيود إلى باريس بعد زيارة وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان إلى الجزائر اليوم على رأس وفد قضائي رفيع يضم قضاة ومسؤولين بارزين في مجال العدالة. ويرى متابعون أن هذه الزيارة ستكون حاسمة في رسم معالم مسار التسوية بين البلدين، بالنظر إلى الطابع الحساس للملفات المطروحة على طاولة النقاش، والتي ستشكل أساسا لإعادة بناء مختلف مجالات التعاون، خاصة في ظل المرحلة الدقيقة التي تمر بها العلاقات الجزائرية الفرنسية.

فزيارة دارمانان وفق ما أعلنته وزارة العدل الفرنسية، تحمل هدفا إستراتيجيا يتمثل في "فتح فصل جديد" في التعاون القضائي بين باريس والجزائر، من خلال تعزيز التنسيق في ملفات معقدة تشمل الجريمة المنظمة، والاتجار بالمخدرات، ومكافحة الإرهاب، وهي ملفات تُعد تقليديا من أبرز مجالات التعاون الأمني بين البلدين، لكنها تأثرت خلال السنوات الأخيرة بالتوتر الذي قاده وزير الداخلية السابق برونو روتاليو ورموز التيار المعادي للجزائر.

واللافت أيضا مرافقة وزير العدل الفرنسي وفدا قضائيا غير مسبوق يضم المدعية العامة الوطنية لمكافحة الجريمة المنظمة فانيسا بيريه، والمدعي العام المالي الوطني باسكال براش، وهو ما قد يعكس استجابة باريس لطلب الجزائر المنقول إلى نونيز (خلال زيارته الأخيرة شهر فيفري الماضي) في رفع مستوى التنسيق العملي المباشر مع نظيرتها الجزائرية، خصوصا في الملفات المرتبطة بالجريمة المنظمة والإرهاب والجرائم المالية العابرة للحدود.