أقلام الخبر

الجزائر في الساحل: التنمية قبل السلاح

  • 106
  • 5:00 دقيقة

التنمية شرطا للأمن.. مقاربة الجزائر في هذه المرحلة الأمنية الحساسة التي تعرفها دول الساحل الإفريقي، بعد أن انصبّت الحلول على الأسباب العرضية التي زعزعت أمن المنطقة، على غرار العمليات العسكرية التي أُطلقت على الأراضي الساحلية. بدأت بعملية سرفال الفرنسية ثم برخان التي  ضمت 5100 جندي، ونفّذت 128 عملية قتالية في سنة 2020 وحدها حسب هيئة الأركان الفرنسية. ثم بعثة الأمم المتحدة مينوسما في مالي، التي فقدت 311 من جنودها حسب الأمم المتحدة. إضافة إلى مجموعة الدول الخمس المدعومة أوروبياً.

جميعها لم تحقق الاستقرار في المنطقة، بل مهّدت للتمرّد والانقلابات وطفو الخطابات السيادية التي راهنت على استرجاع الأمن بالقوة العسكرية، لكن مع تغيير الرعاة... فمن فرنسا والاتحاد الأوروبي إلى الكفّة الروسية، التي وعدت بالكثير وسرعان ما خيّبت المراهنين عليها. فحسب منظمة ACLEDالمتخصصة في رصد النزاعات المسلحة وتوثيق أحداث العنف السياسي عبر العالم، تجاوز عدد قتلى العنف الجهادي في مالي وبوركينا فاسو والنيجر عشرة آلاف سنة 2025.

ولم يكن المدنيون بمنأى عن الشريك الروسي نفسه. ففي مارس 2022 قُتل ما لا يقل عن 500 شخص في بلدة مورا وسط مالي، بينهم نساء وأطفال، خلال عملية للجيش المالي ومرتزقة فاغنر، حسب المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، وهو ما رفضته باماكو. وحين حلّ الفيلق الإفريقي الروسي محلّ فاغنر سار على نفس نهجه، فحسب منظمة هيومنرايتسووتش، قتلت غارات للفيلق في شهري جوان  و جويلية 2026 مدنيين  من بينهم أطفال ، ونهبوا وأحرقوا  عدة منازل...

الجزائر الخيار الموثوق.. استدرك قادة دول الساحل أن الجزائر هي الجهة الآمنة، التي أمنها من أمنهم، وعقيدتها تخدم خطاباتهم السيادية. فهي الشريك الموثوق الذي تحرّك في عزّ أزمات الساحل، فكانت النتيجة كسباً استراتيجياً بعد جفاء.

الجغرافيا لا تترك مجالاً للخيار. فالحدود الرمادية مع جنوب ، عرضة لنفس التهديدات و التحيات ، وقد عملت الجزائر على الأمن الساحلي مبكراً... ففي أفريل 2010 جمعت جيوش مالي والنيجر وموريتانيا في لجنة أركان عملياتية مشتركة مقرّها تمنراست، لبناء قدرات الساحل و تمكينه من  الحماية المستقلة  بعيداً عن الجيوش الأجنبية.

الجزائر لم تهمل يوما الجانب السياسي والدبلوماسي فكانت  لغة التسوية لغتها لعقود... من تمنراست 1991 إلى الميثاق الوطني 1992 ثم اتفاق الجزائر 2006 فكانت حاضرة في كل محطة سلام بمالي. وجاء التتويج سنة 2015 باتفاق السلم والمصالحة، الذي وُقّع في باماكو يومي 15 ماي و20 جوان بعد مفاوضات احتضنتها الجزائر، وبوساطة دولية قادتها تحت مظلة الأمم المتحدة.حتى بعد اعلان  باماكو نهاية الاتفاق بدعوى «استحالة تطبيقه»  في 25 جانفي 2024،ردت  الجزائر بالأسف لا بالقطيعة، وأكدت أمام مجلس الأمن أنها نفّذت التزاماتها بصدق وحسن نية.

واليوم، وبعد عامين ونصف، يعيد الرئيس تبون اليد ممدودة: «كنا مجرد وسطاء ولا نتدخل في الشأن الداخلي لمالي، وإن طلب الرئيس المالي مساعدتنا لتسود لغة العقل فنحن في الخدمة». هذا ما قاله في لقائه الإعلامي مساء 3 أكتوبر 2026.

ولم تكن هذه اليد الممدودة وليدة اللحظة، فقد سبقتها خطوات متبادلة على الأرض ، ففي فيفري 2026 زار الجنرال عبد الرحمن تياني الجزائر على رأس وفد وزاري كبير، و في أوت  قال رئيس الحكومة المالي عبد الله مايغا من الجزائر إن البلدين «محكومان بالسير معاً»، وأعلن موافقة الرئيس غويتا على زيارة رسمية. وأمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وصف الوزير الأول النيجري الجزائر بالبلد الشقيق والجار الذي يرافق النيجر استثماراً ودفاعاً. و هذا ما أكدته دراسة نشرها مركز AmaniAfrica، التي اعتبرت تطور العلاقات إدراكاً متزايداً لدى دول الساحل بأن التعاون مع الجزائر لا غنى عنه في مكافحة الإرهاب.

وحين تعرّض النيجر لمحاولة انقلاب أواخر أوت 2026، لم تكتفِ الجزائر بالبيانات. فقد أرسلت، بطلب من نيامي، طائرات مقاتلة من طراز Su-30 دعماً للجيش النيجري. لكنه تدخل محدود، بلا قاعدة ولا تمركز دائم، وهو ما أكده الرئيس تبون في لقاء 3 أكتوبر حين قال إنه «ليس تغييراً في عقيدة جيشنا التي يحكمها الدستور». فالسلاح هنا جاء ليحمي مسار التنمية لا ليحلّ محلّه.

المشاريع الطاقوية تتحدى لعنة الموارد في الساحل 

العودة عبر بوابة الاقتصاد.. يجلس الساحل على ثروات هائلة من الذهب واليورانيوم والنفط، ومع ذلك تقبع دوله في ذيل مؤشرات التنمية في العالم. بل صار الذهب نفسه، حسب تقرير لمنظمة ACLED نُشر في جويلية 2026، رهاناً مركزياً للصراع حول 44 موقعاً منجمياً في دول تحالف الساحل. تلك هي «لعنة الموارد»، ومنها بالذات اختارت الجزائر أن تعود.

 فبعد قطيعة أفريل 2025، حمل وزير الطاقة محمد عرقاب الملف إلى نيامي في جانفي 2026، ثم إلى واغادوغو في فيفري. ولم تبقَ الزيارتان حبراً على ورق: برنامج بقيمة 88 مليون دولار لتحديث البنى الطاقوية والمنجمية في بوركينا فاسو، ومحطة كهربائية بقدرة 40 ميغاواط هدية للنيجر، البلد الذي يستورد أكثر من 70% من كهربائه، حسب معهد الدراسات الأمنية ISS. ثم جاء المستشفى والثانوية، وهو ما وصفه الرئيس تبون مساء 3 أكتوبر بأنه «التنمية الحقيقية». وفي اليوم التالي انتقل الملف إلى طاولة مجلس الوزراء.

فقد أمر الرئيس بالمتابعة الحثيثة لمشاريع التعاون مع النيجر وتشاد، لا سيما في الطاقة والتربية والصحة والاتصالات، وكلّف الوزير الأول بالتنسيق مع نظيريه في البلدين. كما أمر بالإطلاق الفوري لخط السكة الحديدية نحو تمنراست، على أن يُسلَّم نهاية 2028، حسب بيان مجلس الوزراء.

أنبوب الغاز العابر للصحراء... يمر الرهان الأكبر عبر الصحراء. في 4 جوان 2026 بأدرار، وضع وزراء الطاقة الثلاثة الجزائري والنيجيري والنيجري حجر الأساس لمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء أكثر من أربعة آلاف كيلومتر، تنقل 30  مليار متر مكعب من الغاز النيجيري كل سنة نحو حاسي الرمل، ومنها إلى أوروبا.

تملك سوناطراك والشركة النيجيرية NNPC تسعين بالمائة من المشروع، والنيجر العشرة الباقية، وتشرف عليه لجنة وزارية ثلاثية. بكلفة  بنحو 13 مليار دولار حسب سوناطراك، وقد ترتفع إلى 18 مليار يورو حسب آخر تقديرات وزارة الطاقة.

لكن لكل طرف ما يكسبه. نيجيريا، صاحبة أكبر احتياطي غاز في القارة، تفتح لنفسها باباً جديداً نحو أوروبا. والنيجر، البلد الحبيس، ينال رسوم عبور ومناصب شغل وبنى تحتية لم يكن يحلم بها. والجزائر تثبّت موقعها بوابةً للغاز الإفريقي نحو الشمال.

وهذا بالضبط ما يصنع الفرق بين الأنبوب والقاعدة العسكرية. القاعدة تنتهي بانتهاء التهديد أو بقرار سياسي، كما حدث مع القوات الفرنسية والأممية. أما الأنبوب فمصلحة مشتركة يدفع الجميع ثمن التخلي عنها. إنه نفوذ يقوم على التشابك لا على الإكراه، وهو ما تبحث عنه دول ترفع اليوم شعار السيادة.

تقدّم الجزائر في الساحل رهاناً واضحاً... الأمن الدائم يُبنى بالتنمية قبل الطائرات والقواعد العسكرية . وقد نجحت في استعادة موقعها الدبلوماسي بسرعة لافتة في ساحة يتنافس فيها الجميع بالمشاريع، سيحسم السباقَ  و الرابح مَن ينجز أولاً ، لا مَن يعلن أكثر.

وردة شبوني،  باحثة في العلوم السياسية ، متخصصة في قضايا الساحل الإفريقي