ثقافة

ماذا يقرأ الجزائريون اليوم؟

القارئ المعاصر يعيد قواعد النشر.

  • 503
  • 4:50 دقيقة
الصورة: حمزة كالي "الخبر"
الصورة: حمزة كالي "الخبر"

بين طوابير بشرية ممتدة على طول أروقة قصر المعارض بالصنوبر البحري وأرفف تحتضن آلاف العناوين الوطنية والعربية والعالمية، يدخل المعرض الدولي للكتاب يومه الثامن، وسط حراك قرائي وثقافي غير مسبوق، وهو الذي لم يكن في أسبوعه الأول مجرد تظاهرة عابرة لبيع الكتب، بل تحول إلى مرآة حية تكشف عن تحوّل جذري في سلوك القارئ الجزائري وطريقة تعاطيه مع القراءة.

بينما كانت المعارض السابقة تعتمد على توجيهات الناشرين والنقاد، وجد زوار الطبعة الـ 29 لـ "سيلا" أنفسهم محاطين بمنظومة رقمية تدار عبر الذكاء الاصطناعي وشبكات التواصل، فلم يعد الشاب يقصد المعرض عشوائيا، بل جاء مدفوعا بتوصيات التطبيقات الذكية و"ترندات" تيك توك وانستغرام لاقتناء روايات الرعب والفانتازيا، أو كتب التشافي النفسي.

هذا التدافع أفرز مفارقات لافتة، فمقابل طوابير غير مسبوقة أمام أجنحة صناع المحتوى، حافظ التراث التاريخي على مكانته عبر "المختصرات العصرية"، فيما واصل الكلاسيكيون حضورهم القوي مدعومين بالجدل الأدبي والتغطيات الإعلامية، ليعكس المعرض، قبل يومين من اختتامه، رحلة بحث جيل كامل عن هويته بين التطور الرقمي والواقع.

عندما يختار جي بي تي ماذا تقرأ

سجلت هذه الطبعة سابقة ميدانية تعد الأولى من نوعها في تاريخ المعرض، تمثلت في الاعتماد المباشر وغير المسبوق لقطاع واسع من الشباب على تطبيقات الذكاء الاصطناعي مثل شات جي بي تي وجميناي لاختيار ما يقرؤون.

فالقارئ اليوم، وأمام هذا الزخم الهائل من أجنحة العرض ومئات آلاف العناوين، لم يعد يستشير صاحب المطبعة أو يستند إلى النصائح التقليدية، بل يقف أمام الرفوف ممسكا بهاتفه الذكي ليطرح أسئلة تفصيلية حول ميولاته الفكرية والنفسية، ليتولى المستشار الرقمي تحديد اسم الكتاب وطبعته وحتى دار النشر المناسبين لاحتياجه.

"لم أعد أتصفح الأجنحة عشوائيا، بل أستعين بشات جي بي تي أعطيه ميولي والأفكار التي أبحث عنها، ويقترح علي عناوين معينة، وهذا وفر علي الكثير من الوقت"، تقول أسماء، واحدة من زوار المعرض الذين انتقلوا من البحث التقليدي بين الرفوف نحو اختيار ذكي للكتب المراد اقتناؤها.

هذه الظاهرة تعكس كيف تحولت التقنية الحديثة من منافس للكتاب الورقي إلى موجه ومحرك أساسي للمبيعات داخل المعرض، فقد أتاحت هذه الأدوات للشباب اكتشاف عناوين وكتب جديدة بناء على ملخصات دقيقة وتحليلات نصية فورية، ما أعاد تشكيل خريطة الطلب وكسر النمطية التي كانت تفرضها واجهات العرض الكلاسيكية.

حمى الفانتازيا والرعب متواصلة

خلال استطلاع قامت به "الخبر" على مدار أيام بين أروقة وأجنحة المعرض، لاحظنا هيمنة صريحة لروايات الفانتازيا، أدب الرعب، والتحقيقات الجنائية على خيارات الجيل الجديد، وقد عكس الإقبال الملحوظ على أجنحة متخصصة، مثل عصير الكتب ودون، كيف أن الجريمة والغموض والتحليل النفسي أصبحت الوقود الأول لمبيعات النشر الموجهة لليافعين.

وتبرز أسماء مثل سمر عبد العظيم ووائل السيد علي وأمير عاطف في صدارة الاهتمامات عبر أعمال تناقش قضايا جنائية وطبية شرعية وتجارب نفسية معقدة، انتقالا إلى روايات الرعب وإعادة بعث الأسطورة والفلكلور الشعبي الجزائري.

وتعد تجربة الكاتبة المعروفة بـ "لولا" بروايتيها "رعشة" و"عروس القصبة" نموذجا حيا لهذا التوجه، حيث يجد الشاب في هذه النصوص إيقاعا بصريا سريعا يدمج بين الذاكرة المكانية والأجواء الغامضة، ما يلبي حاجته إلى قراءة مشوقة تخرجه من رتابة الحياة اليومية وتمنحه جرعة مكثفة من الترفيه والمغامرة.

تجارة التعافي وجروح الطفولة

كما شهد المعرض هذا العام إقبالا قياسيا على الكتب التي تندرج ضمن فئات الصحة النفسية، التشافي الذاتي، تفكيك جروح الطفولة، وبناء الشخصية القيادية.

وتكشف معاينة قائمة الأكثر مبيعا في الأجنحة عن تصدر عناوين مثل جلسات نفسية لمحمد إبراهيم، وكلنا مرضى نفسيون لإسماعيل عرفة، وعقدك النفسية سجنك الأبدي ليوسف الحسني، إلى جانب الكتب التي تعالج قوة الحضور والمهارات التفاعلية مثل كاريزما الحوار لباتريك كينغ وأصحاب الكريزما لإيهاب بكري.

وما استقته "الخبر" من انطباعات عامة في المعرض يشير إلى أن هذا التعطش ليس وليد المصادفة، بل هو انعكاس مباشر للترويج المكثف لمفاهيم علم النفس السلوكي عبر شبكات التواصل الاجتماعي، فالشباب باتوا يبحثون عن إجابات جاهزة لحالات القلق والضغط النفسي، محاولين علاج جروح الماضي بقراءة كتاب أو إتباع وصفات سريعة.

مختصرات أمهات الكتب في زمن السرعة الرقمية

في مقابل زحف الروايات الحديثة وكتب التنمية، سجل المعرض مفارقة ثقافية ذات دلالة عميقة، تمثلت في التواجد القوي والتزاحم على المراجع التراثية والتاريخية الكبرى، غير أن الشاهد الأبرز في هذه الطبعة هو توجه دور النشر نحو اعتماد صيغة المختصرات والتهذيب لأمهات الكتب، وهو ما ظهر في عناوين مثل مختصر مقدمة ابن خلدون، مختصر البداية والنهاية لابن كثير، ومختصر تاريخ الجبرتي ومختصر إحياء علوم الدين.

يقول وليد، طالب جامعي من البليدة التقيناه بجناح دار الكتاب العربي وهو يقتني عدداً من المختصرات: "أحب التاريخ، لكن ضخامة المجلدات وضيق الوقت كانا عائقاً أمامي. صيغ المختصرات تمنحنا العصارة المعرفية والحقيقة التاريخية دون الحاجة لشهور من القراءة، وهو ما يناسب سرعة حياتنا".

وجاءت هذه المختصرات كحل وسط يضمن تقديم الموثوقية المعرفية في وجبات فكرية مركزة وسريعة الاستيعاب، تلبي شغف الاطلاع التاريخي دون إرهاق القارئ.

هل يقرأ الجزائري أم يتأثر؟

صنعت المشاهد الميدانية للطوابير البشرية الطويلة أمام أجنحة صناع المحتوى والمؤثرين الذين خاضوا تجربة التأليف الحدث الأبرز في معرض هذا العام، فقد تجمهر آلاف الشباب من الفئة العمرية بين 17 و24 سنة على مدار أيام لاقتناء إصدارات نجومهم المفضلة، على غرار كتاب "رعشة" للمؤثرة لبنى عبد اللاوي، المعروفة في العالم الرقمي بـ "لبنى للقصص" في مشاهد تفاعلية تجاوزت فعل الشراء العادي لتتحول إلى طقوس من الالتقاط والتوثيق الرقمي.

هذه الظاهرة تفرض على المتابع طرح سؤال جوهري ومحوري: هل القارئ الجزائري اليوم يقرأ النص لذاته أم ينساق خلف سلطة التأثير والترند؟ فالواضح أن شراء الكتاب في كثير من الأحيان أصبح يعبر عن رغبة في شراء الشهرة والانتماء لمجتمع الأقران على المنصات الرقمية أكثر من كونه نابعا عن نقد أدبي.

الكلاسيكيون في وجه الطوفان الرقمي

على الرغم من الانجراف الجماعي نحو أدب الشبكات وروايات الفانتازيا، أثبتت جولة المعرض أن الأسماء الثقيلة في الرواية الجزائرية والعربية لا تزال تحتفظ بهيبتها وتستقطب شريحة واسعة من القراء الباحثين عن العمق والرزانة.

فقد سجلت منابر التوقيع الخاصة بكتاب كبار، أمثال واسيني الأعرج وياسمينة خضرا وأمين الزاوي، إقبالا واستمرارية لافتة تعكس مكانة هذه الأسماء في المجمع الثقافي.

كما أن الجدل الأدبي والفكر المحيط ببعض الإصدارات، كالحراك الذي رافق رواية الريميتي لواسيني الأعرج، يظل بمثابة الوقود الحقيقي الذي يحرك شغف القراءة الحقيقية ويحفز الجمهور على الاكتشاف، ليؤكد معرض الجزائر الدولي للكتاب في أسبوعه الأول أنه يظل فضاء واسعا تتجاور فيه التكنولوجيا والترند الرقمي مع أصالة الفكر وعمق التجربة الأدبية.