ثقافة

مستغانمي: الجزائر أورثتني عنفوان الثائرة وتونس جعلتني شاعرة

في حفل تكريمها.

  • 110
  • 3:00 دقيقة
الصورة: م.ح
الصورة: م.ح

ألقت الكاتبة والأديبة أحلام مستغانمي كلمة مؤثرة في حفل تكريم أقيم على شرفها من قبل القنصلية الجزائرية العامة بتونس، بحضور شخصيات تونسية وجزائرية وأفراد الجالية الجزائرية وكتاب وصحافيين، بمناسبة الذكرى الـ64 لعيد الاستقلال الجزائر.

وجاء نص الكلمة التي لاقت تفاعلا كبيرا من قبل الحضور، مكثفا من حيث المعاني والقيم الثقافية التاريخية، بما يعزز الروابط الكبيرة والتاريخية بين الجزائر وتونس، وتطرقت فيها إلى عمق ارتباطها بالجزائر، التي أورثتها عنفوان الثورة، وبتونس التي ولدت فيها في منطقة حمام الأنف في الضاحية الشمالية لتونس.

"أي حظ جميل جمعني بكم اليوم في عيد استقلال الجزائر، أما أن يكون ذلك على أرض تونس الحبيبة، فهو عيد آخر وحدث عاطفي بالنسبة لي. ففي حياتي حب سري يدعى تونس، يشاطرني إياه ملايين الجزائريين الذين كانت لهم تونس حضنا وسندا أيام حرب التحرير. بتوقيت الإرهاصات الأولى للثورة ولدت في تونس، قمطتني أمي بعلم الجزائر، وأرضعتني حليبا رضعه كل أطفال جيلي في العالم العربي. جئت إلى العالم بمزاج قومي . أي عنفوان يومها أن تولد جزائريا، وأيّ حظ أن يكون مهدك القلب المضياف لتونس. وأن تأتي إلى الدنيا على يد الدكتورة توحيدة بن الشيخ أول امرأة عربية تتصدر اليوم صورتها ورقة نقدية، كانت توحيدة ابنة الحرية وأمّ تونس الفتية صديقة الفقراء كما الزعماء. لكأن أبي أصرّ أن يربط قدري بامرأة كاسحة للألغام، فتحت الطريق لكل نساء المغرب الكبير.

سنة 1947 غادر أبي السجن الذي دخله إثر انتفاضة 8 ماي 1945التي عرفها الشرق الجزائري، وكان ممن خططوا لها وشاركوا فيها مطالبين عند انتهاء الحرب العالمية بوفاء فرنسا لعهدها ومنح الجزائر استقلالها بعد أن جندت أبناءها لحرب لا علاقة لهم بها.

خلال ثلاثة أيام استشهد في تلك المذابح أكثر من أربعين ألف جزائري قصفا وتنكيلا. ملاحقة السلطات الفرنسية لأبي كما لرفاقه بعد السجن ما تركت لبعضهم من خيار سوى اللجوء إلى تونس. تماما، كما لجأ رفاق الثائر بوعمامة سنة 1880 إلى تونس، هربا من تهجير قصري إلى كاليدونيا الجديدة. ففي كل الثورات الجزائرية، كان حضن تونس مفتوحا لنا. كرفاقه المناضلين الجزائريين المؤمنين بوحدة حركات التحرر المغاربية، وجد أبي ضالته في الحزب الدستوري الحر، و لاحقا في حزب جبهة التحرير أيضا، إلى آخر حياته احتفظ أبي في حقيبته بدعوات الحزب لحضور اجتماعاته ومؤخرا وصلتني من منزل تميم صور تجمعه بالزعيم بورقيبة.

بروحه الوطنية نفسها أحبّ أبي تونس وخدمها. ما كان يسمح له بمزاولة مهنة غير التعليم، فعمل معلما في إعدادية معقل الزعيم وفي منزل تميم وتخرج على يده جيل من الإطارات التونسية. دعاني قبل سنوات من مازال منهم حيا لتكريمي امتنانا له. على مدى عقود وفي كل ثوراتنا كانت تونس ملجأنا، حين أعلن الاستعمار الحرب على هويتنا وشاء إطفاء نور العربية والإسلام فينا، كانت الزيتونة مقصدنا ومنارة وجداننا، وحين نكل بنا كانت تونس ملاذ مجاهدينا وجرحانا ولاجئينا. أبدا لن ننسى لتونس ما عانته معنا، ولا دماءها التي توحّدت بدمائنا وسقت ساقية سيدي يوسف عقابا على دعمها الثورة.

 ومن الجميل تعهد البلدين للسعي لازدهار مناطق الحدود التي كان سكانها الأكثر غبنا بسبب الحرب. ليس نكران الجميل من صفاتنا، فالجزائري يحب بقلبه كله، ويغدق بكفه كلها. ويبكي إن خانه لسانه في امتحان الوفاء.

شخصيا أهدتني تونس حواسي الخمسة، تونس هي أول ديوان شعر أقمت فيه وأول قصائد بصرية طالعتها، هنا وُلدت الألوان بزرقتها الضوئية، وتشكلت ذائقتي الموسيقية مع المالوف والحضرة وعلي الرياحي، وكان الياسمين والعطرشية أول ماشممت. يولد المرء في تونس ثريا ببهجته، يعيش بملء حواسه، يتعلم تعريف الكون دون الإستعانة بقاموس شعري. كم من الجمال اقترفت تونس في حقي. فهل كان بإمكاني إلا أن أكون شاعرة! وكم افتقدت الجزائر التي لم أرها وفتنت برجالاتها وأنا صغيرة أرافق أبي إلى مستشفى شارل نيكول لنعود جرحاها ومعطوبي أحلامها! فهل كان بوسعي إلا أن أولد ثائرة.

فشكرا للجزائر لأنها أورثتني عنفوان جيناتها، وأنجبتني لأضاهي قاماتها ولم تحد إلى اليوم عن عهدها، وكل الامتنان لحاضنتي ومُربيتي تونس، ولذكراها العطرة، إنها مشموم الياسمين الذي نعلّقه على عباءة عروبتنا".