اسلاميات

الأمة بين الفاعلية والانفعالية

لن ينفعنا علم يبقى مجرد كلام وثرثرة

  • 13
  • 4:29 دقيقة
الدكتور يوسف نواسة
الدكتور يوسف نواسة

 إن الجوانب النفسية والعاطفية للإنسان هامة لدرجة أكبر مما نتصوّر، وهي غالبا ما تكون الفيصل في مساره فردا ومجموعا، وكم عايشنا كلنا تلك الحالات المتكررة للإنسان الفاهم، الواعي، المثقف، الذي توفرت لديه الإمكانات، وتجددت له الفرص، وتيسرت أمامه السبل، ولكنه ينتقل من فشل إلى آخر، ومن مشكل إلى آخر، بسبب إتباعه الهوى، ومزاجيته الطاغية، وتحمسه الانفعالي الذي يخبو سريعا... إلخ الأسباب. كما عايشنا كلنا تلك الحالات للإنسان المتوسط الذكاء، المحدود المواهب، العادي الثقافة، الذي واجهته صعوبات وتحديات، وعاكسته عراقيل وعقابيل، ولكنه ينتقل من نجاح إلى نجاح ومن إنجاز إلى إنجاز بسبب طموحه وهمته، وإرادته وعزيمته، وفعاليته في التعامل مع عامل الوقت من جهة، والقضايا التي واجهها أو واجهته من جهة ثانية. ولا أظن أنه يختلف اثنان في أن الجوانب النفسية والعاطفية للإنسان حاسمة في رسم مسار حياته، أكثر من العلم والوعي والثقافة في كثير من الأحيان. كما لا أظن أنه يختلف اثنان في أن هذه الحقيقة تصدق على الأمة في مجموعها كما هي صادقة على كل فرد منها.

إن مستوى وعي الأمة، ومستواها الفكري، ومستواها العلمي، ومستواها الثقافي، كل هذا هام جدا، ويؤثر تأثيرا كبيرا في واقعها الحاضر، ومستقبلها المنتظر بلا ريب ولا مين، وفي الوقت ذاته فإن مستواها النفسي، ومستواها الشعوري، ومستواها العاطفي، لا يقل أهمية عما سبق، بل أجزم أنه غالبا ما يكون أهم، وأكثر تأثيرا في رسم واقع الأمة، وفي تحديد مسارها المستقبلي، ويكون هو العامل الحاسم الذي يحدث الفرق ويحقق الأثر، ذلك أن حال الأمة النفسية: تفاؤلا أو تشاؤما، وحالها الشعوري: ثقة ويقينا أو شكا وارتيابا، وحالها العاطفي: تفاعلا وانفعالا، هو الحَكم على وعيها وثقافتها وفكرها وعلمها، وهو الموجّه وهو المحرّك. فمجرد توفر الوعي والفكر والعلم لا يحقق شيئا في الواقع إن لم تكن الحالة النفسية الشعورية العاطفية العامة للأمة مواتية، وخير دليل على ذلك هو واقعنا الحاضر، وما تعانيه الأمة من انكسارات وانهزامات وتحديات، حيث لا ينقصنا العلم بحقيقة ما يجري وأبعاده، ولا ينقصنا المفكرون والمثقفون الذين ينوّرون الجماهير حول مختلف القضايا، وإن كان الغالب على النخبة الرداءة والسطحية وأدواء أخرى لأسباب كثيرة ليس هذا مقام تبيانها، غير أن المؤكد هو أنه هنالك كفاءات مردومة وسط ركام الرداءة تجتهد في القيام بواجبها الحضاري، وتصارع ثقل تيار التخلف كما تصارع ثقل نخبة الرداءة المتصدرة. كما لا ينقصنا الوعي بخطورة المرحلة وتحدياتها، ولا الوعي بمخططات الأعداء ومؤامراتهم، ولا الوعي بزيف الدعوات الحداثية التغريبية وزيف الدعوات التي تلبس لباس الدين والسلف.. ولا الوعي بدعاة الحق والإصلاح الحقيقيين ودعوتهم الصادقة، ولا الوعي بمن يقدم للأمة ما ينفعها من فكر وعلم ورؤى وتجديد، ومن يقدم لها ما يضرّها في دينها ودنياها، ولا يعدو عن تكرار قديم ميت أو جديد مميت!! كل هذا متوفر، فما الذي ينقصنا؟؟

باختصار ووضوح: تنقصنا الفعالية. أن نكون فعّالين. فلن ينفعنا علم يبقى مجرد كلام وثرثرة وتكرار لمسائل فصل فيها السابقون أو مسائل تجاوزتها القرون أو مسائل حديثة لم نحط بها علما، ولن ينفعنا فكر لا يحرّك قِوانا نحو ما ينفع في الدين والدنيا، ويحقق مقاصد الشرع ويحفظ مصالح الخلق، ولا معنى لوعي إذا لم يكن له أثر في الحياة والواقع، فالواعي الذي لا أثر له كاللا واعي، والعالم الذي لا أثر له كالجاهل، والمفكر الذي لا أثر له كالأحمق سواء بسواء. ومع هذا فالعلم موجود، والفكر موجود، والوعي موجود، لكن نفسيتنا العامة لا تساعد، وحين نصاب بالهشاشة النفسية يصير العلم والفكر والوعي مغذيا لسلبياتنا وأمراضنا وعاهاتنا، بدل أن يكون دافعا لنا لمعالجتها وتصحيحها. وهذا هو الحاصل للأسف الشديد، إذ صار كثيرون منا كلما ازدادوا معرفة بخبايا الواقع وأبعاد تحدياته ازدادوا إصرارا على الاستقالة من المعارك الحضارية التي نخوضها!، وازدادوا تشاؤما من الواقع والمستقبل!، وازدادوا تثبيطا لأنفسهم ولغيرهم!. وكل هذا بسبب حالتنا الشعورية والنفسية العامة.

نعم، يجب أن نخرج من مقام الانفعالية إلى مقام الفاعلية، من هنا نبدأ ومن هنا المنطلق، وحتى يتضح الفرق -وإن كان واضحا وضوح الشمس في رابعة النهار- فلننظر لحال الأمة مع غزة العزة وطوفانها المبارك وإبادتها الجماعية المؤلمة الشديدة، غزة التي هزت العالم هزا، وشققت النظام العالمي الغربي الظالم شقا، وحركت صراعات عالمية تحريكا، لكن الأمة لم تتفاعل معها وإنما انفعلت فقط ثم خبا انفعالها، وإن أدرك كثير منا أبعاد الطوفان وآثاره التغيرية الجذرية، وإن تأثرنا كلنا بنار الإبادة الهولوكستية تألمًا وحزنا، بيد أننا بقينا في خانة الانفعال ولم ننتقل لخانة الفعالية، والدليل أن كثيرا منا نسي غزة، ونسي معاناتها مع الإبادة الجماعية المستمرة بمجرد أن خفت وتيرتها، ولو يرجع تدفق صور الجرائم الوحشية والانتهاكات الفوقنازية لرجع الانفعال والاهتمام.

إن قضية الفعالية قضية هامة جدا، ولهذا اهتم بها القرآن العظيم ونبّه عليها، ومن اللافت أنه يوردها في سياق المقارنة بين الإنسان الفعّال [العدل] والإنسان غير الفعّال [الكَلّ]، وذلك قوله سبحانه: {وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كَلٌّ على مولاه أينما يُوَجِّههُ لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم}، كأنه بهذه المقارنة يحذرنا من الوقوع في الكَلل واللّا فعالية، ويرغبنا في الفعالية حتى نحقق العدل والتوازن ونكون على صراط مستقيم، ومن كان على خط مستقيم كان أسرع ما يكون في إدراك غايته وتحقيق هدفه. والحق أن آيات كثيرة هي في مغزاها ومعناها دعوة للفعالية وحث عليها، كتكرر الأمر الرباني بالمسابقة والمسارعة إلى الخيرات: {فاستبقوا الخيرات}، {سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة..}، وحثّه على التنافس في الخير: {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون}، ودعوته للعمل والإنجاز والإتقان: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون}، وربطه بين خيرية الأمة وأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله..}، وثنائه على ذوي الفعالية: {وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين}، وتقريرِه سنة المدافعة بين الحق والباطل: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض..}، وغيرها من الآيات البينات التي تغرس في المؤمن روح الفعالية والمبادرة، لو كنا نفقه ونفهم.

*إمام وأستاذ الشّريعة بالمدرسة العليا للأساتذة