اسلاميات

النصيحة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.. أهميتها وآدابها

تعد النصيحة ركيزة أساسية من ركائز الدين الإسلامي

  • 46
  • 3:17 دقيقة
الدكتور عبدالحق حميش
الدكتور عبدالحق حميش

تعد النصيحة ركيزة أساسية من ركائز الدين الإسلامي وجوهر المعاملات بين المسلمين؛ حيث اختصر النبي محمد صلّى الله عليه وسلم الدّين كله فيها بقوله: “الدين النصيحة”. والنصيحة في مفهومها الشرعي تعني إرادة الخير للمنصوح له وتوجيهه لما فيه صلاحه في دنياه وآخرته.
والنصيحة عبر وسائل التواصل الاجتماعي في الإسلام هي أمانة ورسالة دعوية تخضع لأحكام فقهية وضوابط أخلاقية صارمة لضمان تحقيق المنفعة وتجنب المفاسد.
ومنصات التواصل الاجتماعي لا يمكن الاستغناء عنها في واقعنا المعاصر؛ لذلك لا بد من تنظيم هذا التواصل من خلال الأخلاق الإسلامية الحسنة التي أمرنا بها القرآن الكريم والسنة النبوية؛ لتتحقق أهداف هذا التواصل بمثالية وتثمر علاقة طيبة مبنية على الاحترام والتقدير وتسود روح الأخوة والتآلف بين الجميع.
والنصيحة عبر وسائل التواصل الاجتماعي مستحبة ومأجورة في الإسلام إذا وافقت الهدي النبوي، فيُشترط فيها الإخلاص والرفق واللين والتأكد من صحة المعلومات وأن تكون في السر إذا كانت شخصية لتجنب الفضيحة والتشهير، بينما تكون في العلن للمصلحة العامة والرد على البدع والمنكرات الظاهرة.
والدعوة إلى الله من أجل الأعمال وأعظم القربات، قال تعالى: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين}. ولا تنحصر الدعوة إلى الله في الكلام المباشر والنصيحة باللسان، بل الكتب المؤلفة في النصح والإرشاد ونحوها من الوسائل المتبعة في الدعوة إلى الله قديما ونحوها الكتابة على وسائل التواصل في عصرنا، فمن بلّغ رسالة الله وأدّى النصيحة المطلوبة عبر وسائل التواصل فهو مأجور بلا شك، وسواء عمل المنصوح بوعظه ونصحه أو لم يعمل فقد وقع أجره على الله تعالى، ومن انتفع بنصحه وعمل بوصيته أو وعظه فله مثل أجره، كما في الحديث عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: “من دعا إلى هُدًى، كان له من الأجر مثل أجورِ من تبعه لا ينقص ذلك من أجورِهم شيئا”.
وهناك أخلاق حسنة لا بد للمسلم أن يتحلى بها في مواقع التواصل الاجتماعي، من أهمها: مراقبة الله عز وجل وغض البصر والقول الحسن والصدق في الحديث والتثبت من الأخبار والابتعاد عن مواقع الشبهات.
كما أن هناك أخلاق سيئة لابد للمسلم أن يتجنبها في مواقع التواصل الاجتماعي، من أبرزها: الكذب ونشر الشائعات والقذف والسب والشتم والبذاءة والاستهزاء والسخرية وسوء الظن والتجسس والجرأة في الفتوى والخوض في دين الله بلا علم والجدال المذموم وعدم مراعاة ضوابط التواصل بين الجنسين.
وقبل أن يدخل المسلم إلى فضاء مواقع التواصل الاجتماعي، يجب عليه أن يتسلَّح بأخلاق الإسلام ويتبع آدابه، خاصة فيما يتعلق بالتفاعل مع الآخرين، حيث يستفيد من هذه المواقع بطريقة تتوافق مع الشريعة. أن يكون حذرا من الأخلاق السلبية التي قد تنتشر بين مستخدمي مواقع التواصل وأن يتجنب التورط في أي سلوك قد يسيء إليه، مع الحرص على تطهير نفسه من هذه الصفات. إضافة إلى ذلك يجب أن يعرف المسلم الأحكام الفقهية المتعلقة بالتواصل الإلكتروني ويتقيد بها أثناء استخدامه لهذه المواقع.
وإن من أهم الضوابط الشرعية للنصيحة الرقمية الآتي: الإخلاص: ابتغاء مرضاة الله وحده دون طلب الشهرة أو “اللايكات”. الخصوصية: تقديم النصح في الرسائل الخاصة وتجنب الفضيحة علنا. التثبت: التأكد من صحة المعلومات والحديث قبل النشر والمشاركة. اللين: استخدام الكلمة الطيبة والأسلوب المرن الجاذب غير المنفر. العلم: عدم الإفتاء أو النصح في مسائل دينية دون علم دقيق، فلا يجوز أن ينشر حكما شرعيا غير متأكد منه، وكثير من يفتي بغير علم في هذه المواقع. الأمانة والصدق والموضوعية: فما أحوجنا جميعا، خاصة في ظل شبكات التواصل الاجتماعي فائقة السرعة، إلى تحري الدقة عند نقل آية أو حديث أو قصة أو خبر أو تعليق أو رأي؛ وذلك حتى يسلم المجتمع من تحريف العلوم ونشر الشائعات وإحداث الفوضى والرمي بالبهتان وكشف الفضائح والوقوع في الغيبة، ويسلم الدين مما يُنسَب إليه من افتراءات وشبهات وموضوعات وإسرائيليات وأكاذيب.
أما المحاذير الشرعية التي ينبغي تجنبها فهي: التشهير والفضائح: تحويل النصيحة إلى وسيلة لتتبع عورات الناس وإحراجهم أمام العامة. الظن السيئ: الخوض في نيات الآخرين وتفسير كلامهم على المحمل السيئ. الجدال المذموم: الدخول في نقاشات عقيمة لا تهدف إلى إظهار الحق بل إلى الغلبة وإثارة الفتن.
وعلينا أخيرا الارتقاء بلغة الخطاب، ومن المؤسف أن كثيرا من المشاركين في وسائل التواصل الاجتماعي يستخدمون أساليب مقززة وألفاظا مقذعة وخادشة ويتمادون في السب والشتم فيؤذون بذلك أنفسهم وإخوانهم ويجرحون الذوق العام.. ونذكرهم جميعا بأن الله مطلع على سرائرهم، عالم بما يسرون وما يعلنون، وهو مجازيهم عليه، فليتقوا الله وليربعوا على أنفسهم.