اسلاميات

لماذا نهتز أمام الشبهات؟؟

إثارة الشبهات في زمننا هذا صارت موضة! وهواية للمهووسين بالشهرة!

  • 125
  • 4:51 دقيقة
الدكتور يوسف نواسة
الدكتور يوسف نواسة

 إثارة الشبهات في زمننا هذا صارت موضة! وهواية للمهووسين بالشهرة! زيادة على كونها سلاحا قديما جديدا في أيدي أعدائنا وأعداء ديننا وأعداء أمتنا! وعلى كل فإثارة الشبهات ليس أمرا جديدا، بل هو من أول ما وُوجه به الحق، ومن أدوم ما سيواجه به الحق: {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون}، {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون}، وإرادة إطفاء نور الله بالأفواه كناية عن كلام الشبهات الذي يقوله أعداء الحق لصد الناس عن الصراط المستقيم وتشكيكهم في دين الله القويم، قال الإمام السُّدّي رحمه الله: {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم}: “أي، يريدون أن يطفئوا الإسلام بكلامهم”.

وهي كناية لا تخلو من (تهكّم) شديد يرسخ في قلوب المؤمنين عبثية جهود مثيري الشبهات وسخافة عقولهم وعقول من يغتر بكلامهم، فلذكر {بأفواههم} في هذا التمثيل وقع عظيم وإزراء كبير على عقول مثيري الشبهات؛ لأن الإطفاء للنور أو النار قد يكون بغير الأفواه مثل المروحة الكبيرة والماء، وهم قد تركوا كل ذلك وأرادوا إطفاء نور الله - الذي لا ينطفئ أبدا - بنفخ أفواههم، وهذا منتهى الحمق!، وهل يوجد أحمق ممن قرأ بعض الكتب ولاك بعض الجمل ونشر رواية أو روايات فيها الكثير من الأخطاء التعبيرية والنحوية ثم جاء يطعن في أركان الإسلام أو الصحابة الكرام أو يشكك في المعلوم من الدين بالضرورة أو يغلّط كل علماء الإسلام في فهمهم للقرآن والسنة وأحكام الدين، ويظن نفسه أفهم منهم جميعا على مر العصور والأزمان!، إن لم يكن من هذا حاله أحمق الحمقى، فلا يوجد حمق على وجه الأرض إذا!

ومن (التهكّم) الشديد أيضا تصوير الآية الحكيمة من يثيرون الشبهات حول الإسلام العظيم بصورة ذلك الأحمق الذي يريد إطفاء نور الشمس، بل إن محاولة إطفاء نور عظيم أقل من نور الشمس بالنفخ بفمه لحمق بالغ فكيف بنور الشمس؟! فمن حاله هكذا لا ريب أنه عريق في الحمق! فكيف بنور الله جلّ جلاله الذي لا يقارن به أي نور، بل لو جمع كل نور يوجد في هذا الكون لكان لا شيء أمام نور الله تبارك وتعالى: {الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم}، ثم يأتي حكواتي أو ناشر على الفيسبوك أو تويتر، يتلقّف شبهة من فم مستشرق أو كاتب غربي أو خربشة مستغرب، ويظن أنه سيطفئ نور الحق بكلامه السخيف!، هذه هي الحماقة التي أعيت من يداويها! وهذا هو أحمق الحمقى، يردد كلام غيره وهو يحسب نفسه بذلك قد صار من زمرة المفكرين الأحرار، وهو لا يعدو أن يكون مثل الببغاء عقله في أذنيه!!
وفي مقابل هذا الوضع المضحك هناك حال مبكي، وهو حال كثير من المسلمين الذين صاروا يهتزون لأدنى وأضعف وأسخف شبهة يجابههم بها مثيرو الشبهات، فتراهم ينزعجون، ويتشككون، وينطلقون مستفسرين متحققين، وكأن الحق الذي عرفوه منذ زمن طويل، واستقر منذ قرون لم يرسخ في قلوبهم، والشبهة العارضة التي لا قرار لها صارت تزاحمه!، {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين}، ولولا إذ نسمع شبهات (وخرجات جديدة) نظن بالإسلام والقرآن الحكيم وسيدنا محمد العظيم عليه أزكى الصلاة والتسليم، وبتاريخنا المجيد وبعلمائنا الأخيار خيرا، ونقل: هذا إفك مبين وحمق مكين!

إن ظاهرة تزعزع بعض المسلمين من الشبهات لأول وهلة، واهتزازهم منها على سخافتها لمجرد سماعها له أسباب كثيرة بلا ريب، ولكنها ظاهرة تستحق منا الاهتمام والدراسة والمراجعة، ولا يتسع هذا المقام لتوسيع الكلام حولها، ولكني أريد التنبيه على سببين: السبب الأول يرجع للمتأثرين بها، والسبب الآخر يرجع لمن يفترض فيهم ردها والتصدي لها. فأما سريعو التأثر بها فذلك يرجع لضعف معرفتهم بدينهم وضعف التزامهم بأحكامه، وكذلك لضعف تكوينهم العقلي والنفسي، حيث أن الانهزام النفسي أمام واقع المسلمين المتأزم وهيمنة الحضارة المادية الغربية يهز قناعات كثير من الناس، وعدم امتلاك كثير منا لأساسيات التفكير السليم والقدرة على محاكمة الأفكار وبناء الاقتناع يجعلهم يضعفون أمام الشبهات، خاصة التي يزينها شياطين الإنس بالكلام المنمق والشعارات البراقة، وهذا يحيلنا إلى ضرورة مراجعة منهجنا في تربية أبنائنا والأجيال اللاحقة. وهذا موضوع كبير قد أرجع إليه في فرصة أخرى.

وأما من يفترض فيهم ردها والتصدي لها، والمقصود بهم العلماء والدعاة والأئمة فهؤلاء للأسف أن بعضا منهم (أقول بعضا..!) يُسهم في تعقيد هذه الظاهرة وتعميقها، بخطابهم الهزيل، ومواضيعهم البعيدة كل البعد عن واقع الناس ومقاصد الشرع، وبضعف أسلوبهم الحجاجي، وركاكة لغتهم وضآلة مستواهم، وافتقادهم للقدرات المنهجية والإمكانات المعرفية للرد على الشبهات وفضح حمق من يثيرها!، وهذا أيضا موضوع كبير يحتاج إلى عودة وبسطة إذا سنحت الفرصة. وما هذا إلا شعاع ضئيل حول هذا الموضوع الخطير، الذي يحتاج كما ذكرت لاهتمام أكبر وجهود أكثر ومجال أوسع.

وربما يكون كثيرون قد وصلتهم تلك الشبهة السخيفة الصلعاء التي أثارها بعضهم مع موجة الحرائق الأخيرة - أخمدها الله وحفظ العباد والبلاد - حول مسألة التكبير عند الحريق، وكيف استهزأوا بالدين؟ بزعم أنه يدعوا إلى إطفاء الحريق بالتكبير! وقد اتصل بي بعض الإخوة الأكارم ومنهم أئمة يسألون كيف نرد هذه الشبهة؟، وبعضهم يقول إنها هزته!، فقلت لهم: لا توجد أي شبهة تحتاج الرد أصلا!، وإنما هو جهل من جاهل يجب أن يعلم! ذلك أن المرويات التي اتكؤوا عليها للطعن في الدين كلها روايات ضعيفة، لا تصح، فلا يلزمنا ما فيها، ولا يلزمنا الرد على أوهام ذوي الأغراض.

وللذكر فقط فهذا الحديث الضعيف روي بألفاظ: عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: “إذا رأيتم الحريق فكبّروا، فإنه يطفئه” رواه الطبراني، وعن أبي هريرة مرفوعا: “أطفئوا الحريق بالتكبير” رواه الطبراني أيضا، وعن ابن عباس مرفوعا: “استعينوا على إطفاء الحريق بالتكبير” رواه البيهقي، وكلها أحاديث ضعيفة لم تثبت، ومجرد الرواية لا تعني شيئا ما لم يصح الحديث، فلا شبهة إذن، وإنما من يثيرون الشبه بغير علم ولا حجة هم حمقى، يظنون نفخهم الضعيف سيطفئ نور الله تعالى، وهيهات.
ثم إن المسلم مطالب بذكر الله ذكرا مطلقا غير محدد بعدد ولا مقيد بزمن في كل أحواله، فإذا جاءه بلاء مهما كان فالواجب على المؤمن اللجأ إلى ربه تعالى ذكرا ودعاء مستيقنا، كما هو الحال عند هيجان النار وغيرها، يكبّر ويدعو، استنصارا بالله تعالى واستعانة به على إطفاء النار ورد البلاء، وما خاب ذاكرُ الله جل ذكره.

*إمام وأستاذ الشّريعة بالمدرسة العليا للأساتذة