اسلاميات

استعينوا على قضاء حوائجكم بالسر والكتمان!

النفس يصعب عليها كتمُ الشيء، وترى بإفشائه راحة

  • 127
  • 1:24 دقيقة
الشيخ عبد المالك واضح*
الشيخ عبد المالك واضح*

قال الحافظ ابن الجوزي رحمه الله: رأيتُ أكثر الناس لا يتمالكون من إفشاء سرهم، فإذا ظهر عاتبوا من أخبروا به، فواعجبًا كيف ضاقوا بحبسه ذرعا ثم لاموا مَن أفشاه، وفي الحديث: “استعينوا على قضاء حوائجكم بالسر الكتمان”.

لعمري إن النفس يصعب عليها كتمُ الشيء، وترى بإفشائه راحة، خصوصا إذا كان مرضا أو هما أو عشقا، وهذه الأشياء في إفشائها قرينة، إنما اللازم كتمانه احتيال المحتال فيما يريد أن يحصل به غرضا، فإن من سوء التدبير إفشاء ذلك قبل تمامه، فإنه إذا ظهر بطل ما يريد أن يفعل، ولا عذر لمن أفشى هذا النوع، وقد كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا أراد غزوا ورى بغيره.

فإن قال قائل: إنما أحدث من أثق به، قيل له: وكل حديث جاوز الاثنين شائع، وربما لم يكتم صديقك، وكم قد سمعنا من يحدث عن الملوك بالقبض على صاحب، فنمَّ الحديث إلى الصاحب وهرب ففات السلطان مراده، وإنما الرجل الحازم الذي لا يتعداه سره ولا يفشيه إلى أحد.
ومن العجز إفشاء السر إلى الولد والزوجة، والمال من جملة السر، فإطلاعهم عليه يجر المتاعب، إن كان كثيرا فربما تمنوا هلاك الموروث، وإن كان قليلا تبرموا بوجوده، وربما طلبوا من الكثير على مقدار كثرته فأتلفته النفقات.

وستر المصائب من جملة كتمان السر؛ لأن إظهارها يسر الشامت ويؤلم المحب، وكذلك ينبغي أن يكتم مقدار السن، لأنه إن كان كبيرا استهرموه وإن كان صغيرا احتقروه، ومما قد انهال فيه كثير من المفرطين أنهم يذكرون بين أصدقائهم أميرا أو سلطانا بسوء فيبلغ ذلك إليه فيكون سبب الهلاك، وربما رأى الرجل من صديقه إخلاصا وافيا فأشاع سره. وقد قيل:
احذر عدوك مرة واحذر صديقك ألف مرة
فلربما انقلب الصديق فكان أدرى بالمضرة
فالحازم من عامل الناس بالظاهر، فلا يضيق صدره بسره. فإن فارقته امرأة أو صديق أو خادم لم يقدر أحد منهم أن يقول فيه ما يكره.