اسلاميات

جرائم النصب والاحتيال الإلكتروني وسبل مواجهتها في نظام الحسبة الإسلامي

يشهد واقعنا تقدما تكنولوجيا رهيبا

  • 67
  • 3:19 دقيقة
الدكتور عبدالحق حميش
الدكتور عبدالحق حميش

يشهد واقعنا تقدما تكنولوجيا رهيبا، حيث أصبح بالإمكان إتمام المعاملات والاتفاقات والبيع والشراء وتوفير الخدمات المختلفة عبر الوسائط الإلكترونية دون حاجة إلى التواصل المباشر، وهو ما فتح المجال لظهور جرائم النصب والاحتيال الإلكتروني، التي تستغل الثغرات الرقمية للإيقاع بالضحايا وسلب أموالهم أو بياناتهم بطرق غير مشروعة.

تزايدت في بلادنا الجزائر مؤخرا جرائم النصب والاحتيال عبر وسائط التواصل الاجتماعي إذ تشير الإحصاءات إلى أكثر من 500 قضية احتيال في مطلع هذا العام 2026م فقط، مما يتطلب منا الاهتمام بهذا الموضوع ووجوب تنبيه الناس إلى خطورة التساهل والتغافل عن مواجهته وضرورة أخذ الحيطة والإجراءات الوقائية اللازمة لذلك.

وإن جرائم النصب الإلكتروني جرائم مكتملة الأركان التي تقوم عليها هذه الجريمة، حيث يتمثل الركن المادي في استخدام الحيل الإلكترونية أو المنصات الرقمية المضللة، أما الركن المعنوي فيكمن في نية الجاني في خداع الضحية وتحقيق كسب غير مشروع. ومن أبرز صور النصب الإلكتروني: المواقع الوهمية، والاحتيال عبر البريد الإلكتروني أو الرسائل القصيرة، والتطبيقات المالية المزيفة، وغيرها من الأساليب المتجددة التي يصعب في كثير من الأحيان إثباتها أمام القضاء.

فقد يقوم المحتال بإرسال بريد إلكتروني يبدو رسميا من بنك أو شركة معروفة، يطلب فيه من الضحية تحديث بياناته أو النقر على رابط، وبمجرد الضغط، يتم سرقة البيانات البنكية أو كلمات المرور.
وتُعد هذه الجريمة من أخطر الجرائم الإلكترونية التي يعاقب عليها القانون بالسجن والغرامة المشددة؛ وإن النصب والاحتيال وأكل الأموال بالباطل حرام، ولو توصل إليه فاعله بسبب ما في القانون من ثغرات، وفاعل ذلك معرض للوعيد الشديد الوارد في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن اللّه كان بكم رحيما، ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على اللّه يسيرا}، وقوله صلّى الله عليه وسلم: “من غش فليس مني”.
في أسواق المدينة المنورة خلال العصر النبوي والراشدي، لم تكن التجارة مجرد نشاط اقتصادي، بل كانت مرآة تعكس القيم الإسلامية الأساسية مثل الأمانة، العدل، والشفافية. وللحفاظ على هذه القيم نشأ وتطور نظام الحِسبة حتى أصبح مؤسسة رسمية. فقد كان المحتسب يتجوّل في الأسواق، يتفقد الموازين، ويمنع الغش والاحتكار، مؤكدا أن الأسواق يجب أن تكون عادلة. ولم يكن دور المحتسب مقتصرا على الرقابة الاقتصادية فحسب، بل كان تجسيدا لرؤية إسلامية شاملة تربط بين الأخلاق والاقتصاد. ويصف ابن تيمية الحِسبة بأنها “نظام لتحقيق المصلحة العامة من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأسواق والمجتمع”.
وفي القرن الحادي والعشرين، ومع التوسع السريع للاقتصاد الرقمي، أصبحت الحاجة إلى نظام رقابي أخلاقي أكثر إلحاحا. فوفقا لتقرير البنك الدولي لـ2024، يُسهم الاقتصاد الرقمي بنسبة 15% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، غير أن هذا النمو يصاحبه تحديات كبيرة، مثل الاحتيال الإلكتروني، الإعلانات المضللة، التلاعب بالأسعار، واستغلال البيانات الشخصية، وهي أمور تهدد ثقة المستهلكين واستقرار الأسواق.
ففي ظل التطورات المتسارعة للاقتصاد الرقمي، يمكن إحياء نظام الحِسبة كأداة فعّالة لتنظيم الأسواق الإلكترونية وضمان العدالة الاقتصادية والأخلاقية. ويتطلب ذلك دمج مبادئ الحِسبة التقليدية مع التكنولوجيا الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي، وتقنية البلوك تشين، والتحليلات البيانية، وذلك من خلال ما يلي:
إنشاء هيئات متخصصة تُشرف على الأسواق الإلكترونية، تعتمد على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لمراقبة المعاملات والإعلانات. فعلى سبيل المثال، يمكن تطوير برمجيات تكتشف الإعلانات الكاذبة أو المنتجات غير الحلال من خلال تحليل النصوص والصور. ويمكن أن تضم هذه الهيئات فقهاء الشريعة وخبراء التكنولوجيا لضمان الامتثال للأحكام الشرعية. إلى جانب إطلاق تطبيقات هاتفية تتيح للمستهلكين الإبلاغ عن الغش أو التلاعب بالأسعار بسهولة، ويمكن أن تستخدم هذه التطبيقات تقنيات مجهولة المصدر (مثل البلوك تشين) لحماية خصوصية المبلّغين، بما يتماشى مع مبدأ قوله تعالى: {ولا تجسسوا}. وأيضا إطلاق حملات إعلامية لتوعية المستهلكين بحقوقهم في الأسواق الرقمية، مستندة إلى مبادئ الحِسبة، مثل قوله تعالى: {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط}؛ ويمكن تنظيم هذه الحملات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مع التركيز على تعليم الناس كيفية التعرّف على المنتجات المغشوشة أو الإعلانات المضلّلة، وكذا إنشاء إطار عالمي للحِسبة الرقمية، يضم فقهاء، واقتصاديين، وخبراء تقنيين. يمكن لهذا الإطار أن يوحّد المعايير الشرعية للرقابة على الأسواق الرقمية، ويُسهم في بناء ثقة عالمية بالمنتجات الإسلامية. مع مراقبة الأسواق الافتراضية وخاصة مع ظهور الأسواق الافتراضية، فعلى سبيل المثال، يمكن تطوير بروتوكولات شرعية للمعاملات في هذه الأسواق، مستندة إلى مبادئ العقود الإسلامية مثل البيع والإجارة.
تُبرز هذه الآليات مرونة نظام الحِسبة وقدرته على التكيّف مع التحديات المعاصرة، مع الحفاظ على جوهره الأخلاقي والشرعي.