العالم

الانقلابيون في باماكو يرهنون مستقبل مالي

التواجد المغربي في مالي هو الوجه الجديد للنفوذ الفرنسي.

  • 5984
  • 3:15 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

تواصل السلطات العسكرية في مالي تقديم خطاب مفاده أنها أنهت ارتباطها بفرنسا ووضعت نهاية للوجود العسكري الفرنسي على أراضيها، مقدمة ذلك بوصفه تجسيدا لاستعادة السيادة الوطنية والاستقلال في القرارين السياسي والأمني.

يثير هذا الخطاب، لدى المتابعين، الكثير من التساؤلات بشأن طبيعة الارتهانات الجديدة التي أغرقت باماكو نفسها فيها خلال السنوات الأخيرة، ومدى انسجامها مع المبررات التي رافقت قرار القطيعة مع باريس.

وفي الوقت الذي تؤكد السلطات العسكرية المالية أنها تخلصت من النفوذ الفرنسي، تشير التقارير الآتية من باماكو إلى تنامي الحضور المغربي في عدد من الملفات داخل مالي، معتبرين أن الحديث عن التحرر من التدخلات الخارجية يفقد مصداقيته إذا كان يقترن بالاعتماد على شركاء جدد للقيام بأدوار مؤثرة على الأرض.

كيف يمكن الحديث عن فك الارتباط مع فرنسا، في حين يتم توسيع مجالات التعاون مع المغرب، الذي هو أحد أبرز حلفاء باريس في المنطقة؟

ويرى أصحاب هذا الطرح أن المشكلة لا تكمن في إقامة علاقات تعاون مع هذا الطرف أو ذاك، بل في التناقض بين الخطاب السياسي المعلن والواقع الميداني، خاصة عندما يتم تقديم الأمر للرأي العام على أنه تحرر كامل من أي نفوذ خارجي ! إلى جانب مطالبتهم بتقديم توضيحات أكثر للرأي العام حول طبيعة هذه الشراكات وأهدافها الحقيقية، بدل الاكتفاء بالشعارات السياسية التي تروج لحماية السيادة الوطنية ومواصلة النضال الإفريقي والسير على النهج الذي رسمه المناضل الإفريقي التحرري توماس سانكرا الذي اغتيل في انقلاب عسكري قاده بليز كامباوري في بوركينافاسو سنة 1987.

ويستحضر هؤلاء المتابعون المثل الشعبي المتداول الذي مفاده أن من يحاول تجنب حفرة قد يجد نفسه في بئر أعمق، في إشارة إلى أن استبدال نفوذ خارجي بآخر لا يعني بالضرورة تحقيق الاستقلال المنشود أو ترسيخ السيادة الوطنية، بل هو الغرق في وحل الاستعمار الجديد والذي تقوده فرنسا الغارقة في أزمات خانقة لم تستطع الخروج منها.

ولفهم ما يجري، علينا الاستعانة بالتاريخ محاولين الإجابة عن هذا السؤال الكبير: ماذا فعلت فرنسا بمالي؟ الجواب: بعيدا عن الروايات الرسمية للإعلام الفرنسي ونظيراتها المغربية، عندما كان الرئيس المالي المنتخب موديبو كيتا يطالب باستقلال مالي عن الاستعمار الفرنسي وتطوير بلده ووضع حد للفقر، ماذا كان رد باريس؟ لقد دعمت انقلابا عسكريا دمويا نفذه موسى تراوري، لينتهي الأمر بموديبو كيتا سجينا حتى وفاته. ومنذ ذلك الوقت حكم موسى تراوري مالي بالحديد والنار لمدة 23 عاما، قبل أن تتوالى الانقلابات العسكرية على البلاد.

إنها، في جوهرها، قضية مصالح لا أكثر. إن مالي بلد غني بالموارد، لكنه يعيش أوضاعا من الفقر. وقد يتساءل البعض كيف يمكن لبلد غني أن يكون فقيرا في الوقت ذاته؟ وهو سؤال ينطبق على عدد من دول المنطقة. ويرى أصحاب هذا الرأي أن السبب يعود إلى ما يسمى بالاستعمار الجديد، الذي خرج من الباب ليعود من النافذة عبر التدخل في الشؤون الداخلية، كما حدث في النيجر وبوركينافاسو، ويستمر اليوم في مالي من خلال أدوار تؤديها أطراف إقليمية لخدمة مصالح قوى استعمارية.

فكيف لدول الساحل الغنية بالذهب والبترول والغاز واليورانيوم أن تبقى ضمن قائمة أفقر دول العالم، فيما يجري استغلال ثرواتها من قبل شركات فرنسية كبرى، على غرار مجموعات بولوري وبويغ ولاغاردير، وشركة أريفا وحليفيها ألستوم وسويز، التي ساهمت لعقود في تعزيز الاقتصاد الفرنسي، بينما بقيت شعوب المنطقة تواجه الفقر والمجاعة والتخلف؟

وفي منطقة الساحل لا يزال متوسط العمر منخفضا مقارنة بالمعدلات العالمية، إذ لا يتجاوز 50 عاما في أحسن الأحوال، كما تعاني فئات واسعة من السكان من صعوبات في الحصول على الغذاء والمياه الصالحة للشرب، بينما يبقى التمدرس تحديا حقيقيا في عدد من المناطق حيث أقل من 30 بالمائة من الأطفال فقط يذهبون إلى المدرسة.

وبدل أن تتحول دول الساحل إلى فضاء واعد للتنمية والاستثمار في إفريقيا، أصبحت مسرحا للصراعات المسلحة والحروب الأهلية والانقلابات والفقر والمجاعة، بل وتحولت في بعض الفترات إلى قواعد خلفية لتنظيمات إرهابية استغلت هشاشة الأوضاع الأمنية والسياسية في المنطقة.

لقد وصل الانقلابيون إلى الحكم في مالي وهم يعدون المواطنين بحياة أفضل، وتنمية مستدامة، واستغلال عادل للثروات الوطنية، وبناء دولة مستقرة ومزدهرة، إلى جانب تحقيق الاستقلال الكامل وصون السيادة الوطنية.

غير أنه بعد أكثر من خمس سنوات، يرى الماليون أن معظم هذه الوعود لم يتحقق، وأن مالي ما تزال تواجه تحديات أمنية واقتصادية كبيرة، في وقت تتواصل التجاذبات الإقليمية والدولية حول مستقبل البلاد وموقعها في منطقة الساحل.