العالم

خطوات ملموسة للجزائر تجاه إعادة تشكيل الفضاء الساحلي

حسب قراءة للسفير السابق عمار بلاني.

  • 1382
  • 2:28 دقيقة
ص:ح.م
ص:ح.م

يرى السفير السابق، عمار بلاني، التحولات التي تشهدها منطقة الساحل بأنها جزء من إعادة تشكيل أوسع للفضاء الإقليمي، تتقاطع فيها الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية، لافتا إلى أن الجزائر ثبتت حضورها في محيطها المباشر وتعمل على تعزيز شراكاتها مع دول الساحل.

ويرى بلاني، في منشور له اليوم عبر "فايسبوك"، بمناسبة تصريحات الوزير الأول النيجري، أن محاولات عزل الجزائر إقليمياً لم تؤد إلى قطع روابطها مع محيطها الساحلي، بل كشفت، على العكس، عن استمرار الروابط التاريخية والجغرافية التي تجمعها بجيرانها في المنطقة.

ويستدل الناطق الرسمي باسم الخارجية سابقا، في طرحه بالموقف الذي عبّر عنه رئيس الوزراء النيجري، علي محمد الأمين زين، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، أمس، حيث وصف الجزائر بأنها "بلد شقيق وجار"، وبفضل مرافقتها لم تسقط بلاده، مشيداً بالأدوار التي لعبتها مع بلاده في عدد من المجالات.

وبحسب قراءة بلاني، فإن أهمية العلاقة الجزائرية-النيجرية لا تقتصر على بعدها السياسي أو الأمني، وإنما تمتد إلى مجالات الاستثمار واستغلال الموارد الطبيعية والدفاع، فضلاً عن قطاعات الصحة والتعليم والطاقة والمياه والزراعة.

ويبرز، في هذا السياق، مشروعان ذوا بعد إقليمي، هما خط أنابيب الغاز العابر للصحراء والطريق العابر للصحراء، باعتبارهما جزءاً من شبكة مشاريع يمكن أن تعزز الربط بين الجزائر وعمقها الإفريقي.

وفي نفس السياق، يضع بلاني استئناف الحوار الجزائري-المالي ضمن المسار نفسه لإعادة ترتيب العلاقات داخل الفضاء الساحلي، مشيرا إلى أنه منذ جويلية 2026، استأنف البلدان علاقاتهما الدبلوماسية والجوية بعد قطيعة استمرت خمسة عشر شهراً.

وبحسب هذه القراءة، فإن عودة الحوار لا تعني بالضرورة اختفاء الخلافات التي طبعت المرحلة السابقة، وإنما توفر إطاراً سياسياً ودبلوماسياً لإدارتها، بما يسمح بإعادة بناء علاقات الجوار على أساس المصالح المشتركة.

وفي بوركينا فاسو، يلفت السفير السابق إلى بروز البعد الاقتصادي في التحرك الجزائري، مع تكثيف الاتصالات والزيارات الرسمية إلى واغادوغو.

وشملت هذه التحركات، وفق المعطيات التي يستند إليها بلاني، مجالات المحروقات والمناجم والطاقات المتجددة، إضافة إلى برنامج لتحديث البنية التحتية للطاقة في بوركينا فاسو. ويعكس هذا المسار، في تقديره، توسع أدوات الحضور الجزائري في الساحل، من التعاون الأمني والدبلوماسي إلى الدبلوماسية الاقتصادية، بما يجعل الطاقة والمناجم والبنية التحتية مكونات أساسية في العلاقات الجزائرية مع دول المنطقة.

ويخلص بلاني إلى أن تزامن هذه الديناميات في النيجر ومالي وبوركينا فاسو يعكس، في نظره، تحولاً في طبيعة الحضور الجزائري في منطقة الساحل. فالأمر لا يتعلق فقط بإدارة ملفات أمنية وحدودية، وإنما ببناء شبكة أوسع من المصالح تشمل الأمن والطاقة والموارد الطبيعية والبنية التحتية والتعاون القطاعي، وفقه.

ومن هذه الزاوية، لم يعد الساحل، وفق قراءة السفير السابق، مجرد عمق أمني للجزائر، بل يتحول تدريجياً إلى فضاء تتقاطع داخله اعتبارات الجغرافيا والاقتصاد والأمن والاستراتيجية.

وبهذا المعنى، يضع بلاني التحرك الجزائري ضمن عملية أوسع لإعادة تشكيل الفضاء الساحلي، حيث لم تعد الحدود الجغرافية وحدها هي المحدد للعلاقات بين دول المنطقة، وإنما أصبحت مشاريع الطاقة والنقل والاستثمار والتعاون الأمني والاقتصادي أدوات لإعادة بناء فضاء إقليمي أكثر ترابطاً.

وفي المحصلة، فإن ما يجري في الساحل، وفق قراءة عمار بلاني، يتجاوز مجرد استئناف علاقات أو إطلاق اتفاقات قطاعية هنا وهناك وإنما يعكس إعادة تشكيل تدريجية للفضاء الساحلي، تكون فيها الجغرافيا المشتركة نقطة انطلاق لبناء شراكات جديدة، بينما تتحول الطاقة والموارد والبنية التحتية والحوار السياسي إلى أدوات لإعادة التوازنات.