ثقافة

الطاسيلي نازجر تجمع خبراء العالم لصون ذاكرة البشرية

انطلاق المهرجان الدولي الأول للفن الصخري بجانت.

  • 165
  • 3:57 دقيقة
ح.م
ح.م

اتجهت أنظار المجتمع العلمي والثقافي الدولي، منذ اليوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، نحو عروس الطاسيلي مدينة جانت، التي تحتضن فعاليات الطبعة الأولى لـ "مهرجان الجزائر الدولي للفن الصخري"، بالتزامن مع انعقاد "اللقاء الدولي الثاني حول حفظ مواقع الفن الصخري بالطاسيلي نازجر"، الممتد إلى غاية 24 أكتوبر الجاري.

ويأتي هذا الحدث الدولي البارز، المنظم من طرف وزارة الثقافة والفنون بالتعاون مع الصندوق الإفريقي للتراث العالمي، ليجدد تأكيد المكانة الاستثنائية التي تحتلها الجزائر كمرجع عالمي رئيسي في دراسة وحفظ تراث ما قبل التاريخ وفجر التاريخ؛ حيث تضم حظيرة الطاسيلي نازجر وحدها أكثر من 2008 محطات للفن الصخري تم جردها وتصنيفها ضمن قائمة التراث العالمي المختلط -طبيعي وثقافي- لمنظمة اليونسكو منذ عام 1982.

وقد أشرفت وزيرة الثقافة والفنون، مليكة بن دودة، صبيحة اليوم بـ متحف "مشار جبرين" في مدينة جانت، على الافتتاح الرسمي لفعاليات المهرجان، بحضور وفد رسمي وخبراء وأساتذة متخصصين في علم الآثار، إلى جانب جمع غفير من المشاركين وضيوف المهرجان من داخل الوطن وخارجه، ومن بينهم الوزيرة الفرنسية السابقة ورئيسة جمعية فرنسا -الجزائر سيغولين روايال، والدكتور يوسف علي الكاظم رئيس الاتحاد العربي للعمل التطوعي.

واستهلت الفعاليات بجولة استكشافية في رحاب المتحف، طاف خلالها الوفد الرسمي بالمعارض والأجنحته المختلفة، واستمعوا إلى شروحات مفصلة قدمها مفتش التراث الثقافي ومدير سابق للديوان الوطني للحظيرة الثقافية للطاسيلي        نازجر، أمقران صالح، حول اللوحات المعروضة والتسلسل التاريخي للفترات الزمنية التي تعود إليها هذه الآثار النادرة.

وسلّط المعرض الضوء على أبرز المعالم الأثرية والتاريخية في المنطقة، وفي مقدمتها مدينة "سيفار" الأسطورية التي تضم آلاف اللوحات الصخرية وفي مقدمتها لوحة "الإله العظيم"، واللوحة الشهيرة "البقرة الباكية" بمنطقة تيغرغرت، المجسدة في الورقة النقدية من فئة 1000 دينار جزائري، فضلا عن عينات من الأدوات الحجرية والحلي التقليدية التي تعكس عراقة التراث الصحراوي.

كما تفقدت الوزيرة معرض الأعمال والرسومات الفنية التي أبدعها طلبة المعاهد الوطنية للفنون الجميلة خلال الورشات التمهيدية، مشيدة بالروح الإبداعية للشباب الفنانين.

بن دودة: "نمتلك أكثر من مليون كلم² من الحظائر الثقافية ونسعى ليكون المشاركون سفراء لهذا الفن النادر"

وفي تصريح رسمي للصحافة على هامش الافتتاح، أكدت وزيرة الثقافة والفنون، مليكة بن دودة، أهمية هذا الحدث "نتواجد اليوم في الحظيرة الثقافية لـ "طاسيلي نازجر"، حيث تفقدنا معرض الحظائر الثقافية الخمس الموجودة لدينا في الجزائر، وتجدر الإشارة إلى أن هناك حظيرة ثقافية سادسة في طور الإنشاء وهي حظيرة الأوراس".

وأوضحت الوزيرة أن هذا المهرجان الأول من نوعه يهدف بالأساس إلى توفير منصة تجمع الخبراء والباحثين والفنانين الجزائريين بنظرائهم الأجانب القادمين من عدة دول لتبادل الخبرات، والاطلاع على أحدث التقنيات في مجال الحفاظ على الفن الصخري وتثمينه.

وأردفت الوزيرة بالقول "إننا نفخر ونعتز كثيرا بأن كل هذه الحظائر الثقافية تمتد على مساحة شاسعة تتجاوز مليون كيلومتر مربع، وكلها تضم رسومات ونقوشا صخرية توثق لمراحل تاريخية وحضارية متعددة يمكن الاطلاع عليها وعلى قيمتها التاريخية، ونسعى من خلال هذا التبادل لتأكيد مكانتنا وأن نكون سفراء لهذا الفن النادر في العالم."

"الجزائر ترافع لتثمين التراث المادي والأثري"

من جانبه، صرّح محافظ المهرجان الدولي للفن الصخري، عبد الله بوقندورة، بأن الهدف الأساسي من إقامة هذه التظاهرة الدولية هو تبادل الخبرات مع الدول الصديقة والشقيقة التي تمتلك تراثا مشابها، مشيداً بالحضور النوعي والقوي لممثلي 12 دولة.

وأوضح بوقندورة، أنه سيتم تنظيم ورشات عمل متخصصة على مستوى معهد التكوين المهني يلتقي فيها الخبراء الجزائريون والأجانب للنقاش والخروج بتوصيات وعصارة علمية وتطبيقية للتجسيد الميداني في نهاية الحدث، مشددا على أن الجزائر، من خلال هذا التجمع الدولي، سترافع بقوة من أجل تثمين ورد الاعتبار لهذا التراث المادي ولكل ما هو أثري.

خارطة طريق دولية لحماية ذاكرة الصحراء

هذا، وينعقد اللقاء العلمي المصاحب للمهرجان هذا العام تحت شعار: "صون ذاكرة الصحراء والابتكار من أجل المستقبل: نحو تسيير مستدام وشامل لمواقع الفن الصخري"، مستعيدا محطة الندوة التاريخية الأولى التي احتضنتها هضبة "مداك" سنة 1978.

ويشهد الحدث مشاركة زهاء 100 شخصية، من بينها 15 خبيراً دولياً يمثلون 12 دولة ومؤسسات مرجعية عالمية، إلى جانب 85 باحثاً ومختصاً وطنياً من مختلف المراكز البحثية والجامعات الجزائرية ودواوين الحظائر الثقافية.

ويسعى هذا التجمع الدولي إلى تحقيق جملة من الأهداف الاستراتيجية، أبرزها التشخيص المشترك وتوحيد المنهجيات المعتمدة في جرد ومتابعة مواقع الفن الصخري عبر الصحراء والساحل وإفريقيا، وكذا استكشاف التقنيات الرقمية الحديثة كالتصوير المساحي ثلاثي الأبعاد، الاستشعار عن بعد، والذكاء الاصطناعي لحماية المواقع الأثرية.

 ويسعى التجمع كذلك إلى مواجهة التحديات المناخية عبر ترقية التدابير الوقائية لحماية هذا المتحف المفتوح على الهواء الطلق من عوامل التدهور الطبيعي، وكذلك تكريس الحوكمة التشاركية عبر إشراك الساكنة المحلية المقيمة بالقرب من المواقع الأثرية، لجعل التراث رافعة للتنمية الاقتصادية والسياحة المستدامة.

برنامج يتكامل فيه العلم بالثقافة والميدان

ويتضمن برنامج الفعاليات جلسات علمية أكاديمية وورشات عمل متخصصة حول الحوكمة والتفسير الثقافي، إلى جانب استعراضات وفنون شعبية تجسد التراث غير المادي المحلي لمنطقة الطاسيلي. كما سيزور المشاركون والضيوف ميدانياً أبرز المحطات الأثرية الخالدة بالمنطقة مثل "إيجابارن" وقصور جانت التاريخية، للوقوف على دقة النقوش ورسوم فترات "الرؤوس المستديرة"، "البقريات"، و"الأحصنة".

ومن المنتظر أن تتوّج أشغال المهرجان بصياغة واعتماد "إعلان الطاسيلي نازجر"، كوثيقة مرجعية تؤسس لإطار استراتيجي جديد يوازن بين حفظ هذا الكنز الحضاري العالمي وبين متطلبات التنمية المستدامة لفائدة الساكنة المحلية.

جانت -هدى مشاشبي