الوطن

العلاقات الجزائرية الفرنسية.. هل يبدأ الترميم بعد ماكرون؟

لماذا وصلت العلاقات إلى هذه الحالة؟ ولماذا اتخذت هذا المنحى؟ فرنسا لم تستوعب التغييرات التي عرفتها الجزائر ولم تستطع مجاراة الوتيرة الجديدة.

  • 598
  • 3:28 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

العلاقات الجزائرية الفرنسية ولدت من رحم أزمة مرتبطة باستعمار وحشي لم يشهد له التاريخ الحديث مثيلا. وقد حكم هذا التاريخ العلاقة بين الجزائر، بعد استرجاع السيادة، وفرنسا التي لم تستطع التخلص من ماضيها الاستعماري في إدارة هذه العلاقة. لكن الكثير من الأمل علق على الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي لم يرتبط عضويا بهذا الاستعمار، خلافا للعديد من سابقيه، ورفع سقفا عاليا، قبيل وبعيد وصوله إلى الإليزيه، بشأن بناء صرح علاقات جديدة بين البلدين. لكن بعد عهدتين في الحكم، ما الذي أنجز؟
لا أحد ينكر خصوصية العلاقات الجزائرية الفرنسية، وهي خصوصية صنعتها ظروف تاريخية معقدة رسمت مسار هذه العلاقة وتفاصيلها هذه العلاقة وتعقيداتها وأخرى مرتبطة بامتدادات نسجتها العلاقات الشعبية والثقافية والقرب الجغرافي. وقد أرادت فرنسا الاستعمارية أن تجعل من وجودها في الجزائر وجودا متميزا وذا خصوصية لا يشبه تواجدها الاستعماري في باقي دول القارة، فهي الوحيدة التي أُطلق عليها اسم "الجزائر الفرنسية" واعتبرتها امتدادا جغرافيا لما وراء البحر.
هذه الخصوصية وهذه الرؤية كانتا النظارة التي نظرت من خلالها فرنسا دائما إلى الجزائر، التي تحولت إلى عقدة لم تستطع التخلص منها، بل رسختها في عقيدتها الدبلوماسية باعتبار الجزائر شأنا داخليا. وعلى مدار عقود، اعتُبرت الجزائر داخل دوائر صنع القرار في فرنسا شأنا داخليا، كما كانت ترى باقي الدول، بما فيها الكبرى، أن النفاذ إلى الجزائر يتم عبر باريس، واستمر ذلك إلى نهاية العقد الثاني من القرن الحالي.
لكن بعد سنة 2019، عرفت العلاقات بين البلدين تحولات كبرى غير مسبوقة، وتحولت الجزائر بالنسبة لفرنسا إلى بلد غير قادرة على قراءة شفرته، كما وصف ذلك السفير الفرنسي الأسبق غزافيي درينكور. لكن الحقيقة أن الجزائر تغيّرت في اتجاه لم يعد يتقاطع مع المصالح الفرنسية ونفوذها السابق في الجزائر.
لماذا وصلت العلاقات إلى هذه الحالة؟ ولماذا اتخذت هذا المنحى؟ فرنسا لم تستوعب التغييرات التي عرفتها الجزائر ولم تستطع مجاراة الوتيرة الجديدة ولا قراءة العمق وفهم المقاربة التي تم تبنيها في علاقات الجزائر الخارجية. ففرنسا، في عهد ماكرون، الذي لا ينتمي إلى جيل الاستعمار ولم تكن له صلة مباشرة بفرنسا الاستعمارية بحكم أنه وُلد بعد زوال الاستعمار بحوالي عقدين، وهو الاستعمار الذي وصفه، عندما كان مترشحا للرئاسة، بأنه "جريمة ضد الإنسانية"، بما يتناسق مع تصريحاته وخطاباته حول بناء علاقات جديدة متحررة من ثقل الماضي، وأن يحمل جيل ما بعد الاستقلال عبء بناء علاقات ندية تنظر نحو المستقبل. لكن ما الذي جرى؟
الذي جرى أن ماكرون كانت تصريحاته تنظر إلى المستقبل، لكن قراراته وتوجهاته بقيت مرتبطة بذلك التاريخ الاستعماري، ولم يستطع التخلص منه. فكان يخطو خطوة نحو المستقبل ويتراجع بعشرات الخطوات إلى الوراء، مشدودا بالعقدة الاستعمارية الفرنسية.
فنفس ماكرون الذي أقرّ بالاعتراف التاريخي باغتيالات دولة طالت علي بومنجل وموريس أودان والعربي بن مهيدي، هو نفسه الذي تساءل، ودون مناسبة، وفي وقت لم تكن فيه أي سحب في سماء العلاقات الجزائرية الفرنسية، حول وجود أمة جزائرية قبل الاستعمار، في تماه مطلق مع لغة وأفكار اليمين المتطرف الذي نشأ من رحم الاستعمار الفرنسي وفكرة "الجزائر الفرنسية"، وهو نفس التيار الذي تبادل معه الأدوار في إدارة الأزمة مع الجزائر، من خلال رموزه السياسية والإعلامية، في مقدمتهم غزافيي درينكور.
هذه التصريحات كانت منبت أزمات كبيرة ومعقدة عصفت بكل جهود التقارب وبناء العلاقات التي كان يتحدث عنها ماكرون الذي حاول توظيف كل الأوراق الممكنة لليّ ذراع الجزائر، من خلال استخدام ملفات كان يظن أنها ستؤثر على القرار الجزائري، مثل الصحراء الغربية والتأشيرات والمهاجرين غير النظاميين وملف الذاكرة والساحل واستقبال وإيواء تنظيمات وشخصيات مصنفة إرهابية بالجزائر. وتحولت الجزائر إلى مادة يومية في خطابات المسؤولين والقنوات التلفزيونية الفرنسية وإلى سجل سياسي وإعلامي يوظفه اليمين المتطرف لبث خطابه العدائي.
إن الوضع الذي وصلت إليه العلاقات الجزائرية الفرنسية ودرجة فقدان الثقة والقناعة التي أصبحت لدى السلطة في الجزائر، يؤشر على أن بناء مصالحة حقيقية والتأسيس لعلاقات ندية مع فرنسا يبقى أمرا صعبا ما دام ماكرون على رأس الحكم، وهو الذي يحاول عبثا نفخ الروح في جسد علاقات كان هو نفسه من أجهز عليها بتصريحاته ومواقفه المرتبكة وسقوطه في لعبة اليمين المتطرف الذي أصبح، في عهده، الآمر الناهي في فرنسا.
لقد استهلك ماكرون الوقت ولم يستغل الفرص التي مُنحت له، وفي أكثر من محطة، لبناء علاقة مختلفة مع الجزائر. ومن المؤكد أن المستقبل المنشود والعلاقات الندية التي قد تبنى يوما ما لن تكون في عهد رئيس ظل بعيدا عن التحرر من دوائر اليمين المتطرف ومن تأثير إمبراطورية فينسان بولوري الإعلامية ومن منابر "سي نيوز" و"بي إف إم تي في" وأعمدة مجلة "فالور أكتويل" و"لوفيغارو"، التي تتغذى على أفكار مارين لوبان وغزافيي درينكور وغيرهم من أسرى عقدة "الجزائر الفرنسية".