اسلاميات

معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي!!

يا نفس أفهمت؟ هذا حرٌّ بيع ظلما

  • 33
  • 1:27 دقيقة
الشيخ عبد المالك واضح*
الشيخ عبد المالك واضح*

 قال ابن الجوزي عليه من الله الرحمات: نازعتني نفسي إلى أمر مكروه في الشرع، وجعلت تنصُب لي التأويلات، وتدفع الكراهة، وكانت تأويلاتها فاسدة، فلجأت إلى الله تعالى في دفع ذلك عن قلبي، وأقبلت على القراءة، وكان درسي قد بلغ سورة يوسف فافتتحتُها، وذلك الخاطر قد شغل قلبي حتى لا أدري ما أقرأ، فلما بلغت قوله تعالى: {قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي} انتبهتُ لها وكأني خوطبت بها، فأفقتُ من تلك السكرة، فقلت: يا نفس أفهمت؟ هذا حرٌّ بيع ظلما، فراعى حق من أحسن إليه، وسماه مالكا وإن لم يكن له عليه مِلك، فقال: إنه ربي، ثم زاد في بيان موجب كفّ كَفِّه عما يؤذيه فقال: أحسن مثواي، فكيف بكِ وأنت عبد على الحقيقة لمولى ما زال يحسِنُ إليك من ساعة وجودك.

أفما تذكرين كيف ربّاك وعلّمك ورزقك ودافع عنك، وساق الخير إليك، وهداك أقوم طريق، ونجّاك من كل كيد، وضم إلى حسن الصورة الظاهرة جودة الذهن الباطن، وسهّل لك مدارك العلوم حتى نِلت في قصير الزمان ما لم ينله غيرُك في طويله.

فوالله ما أدري أيّ نعمة عليك أشرحُ لك، حسن الصورة وصحة الآلات، أم سلامة المزاج واعتدال التركيب، أم لطف الطبع الخالي عن خساسة، أم تحبب طريق النقل وإتباع الأثر من غير جمود على تقليد لمعظم، ولا انخراط في سلك مبتدع: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}.

كم كائد نصب لك المكايد فوقاك، وكم عدو حط منك بالذم فرقاك، وكم أمات من لم يبلغ بعض مرادك وأبقاك، فأنت تصبحين وتمسين سليمة البدن، محروسة الدين. ولو ذهبتُ أعُدّ من هذه النعم ما سنح ذكره، امتلأت الطروس ولم تنقطع الكتابة، وأنت تعلمين أن ما لم أذكره أكثر، وأن ما أومأتُ إلى ذكره لم يُشرح، فكيف يحسن بك التعرض لما يكرهه: {معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون}.

* إمام مسجد عمر بن الخطاب - بن غازي - براقي