ربورتاجات

سيدي بلعباس تنهض لاستعادة مجدها الاقتصادي

التكنولوجيا تشق طريقها لخدمة الفلاحة والصناعة.

  • 2232
  • 15:50 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

سيدي بلعباس: مبعوث "الخبر" نوار سوكو

من عام إلى آخر، تكشف ولاية سيدي بلعباس عن وجهها التنموي النموذجي الفريد في المشهد الجزائري، فعلى أرضها تتقاطع مقومات الأمن الغذائي مع آفاق الإقلاع الصناعي بانسجام، وبينما تعدّ المنطقة حوضا فلاحيا واعدا يزخر بالسهول الخصبة والإنتاج الزراعي المتنوع، تقدّم المنطقة نفسها أيضا كقطب صناعي عريق في مجالات الصناعة الميكانيكية والصناعة التحويلية والإلكترونيك، ويستمد هذا النموذج قوته (تناغم بين الزراعة والصناعة) من البحث العلمي الذي تحوّل إلى قاطرة تقود الصناعة وتفتح قطاع الفلاحة على آفاق جديدة، ما يطرح بالتالي تساؤلا بشأن قدرة هذا التناغم الزراعي الصناعي في خلق نموذج اقتصادي يمكن استثماره وجعله أيضا خريطة طريق بولايات أخرى.

تشكل اليوم ولاية سيدي بلعباس الواقعة على بعد نحو 400 كم إلى غرب البلاد، حلقة ربط رئيسية بين ولايات الغرب والخط الذي يوصلها بجنوب البلاد (عين الصفراء، النعامة، بشار، تندوف...) في ظل تفعيل خط السكة الحديدية على مستوى هذا الشريط وهو ما يسهل حركة نقل البضائع وتوزيعها.

موقع جاذب للاستثمارات..

فإذا زرت سيدي بلعباس تجدها قريبة من موانئ ومطارات ولايات غرب البلاد (مستغانم، وهران، تلمسان...) على نحو يمنحها ميزة لوجيستية هامة لتقليص تكاليف النقل والتصدير، خصوصا أنها تقع على مقربة من الطريق السيار شرق غرب.

هذا الموقع الاستراتيجي منحها مكانة امتيازية لتكون واحدة من الوجهات المفضلة للاستثمارات الصناعية والزراعية بغرب البلاد، خصوصا وأن التاريخ يقدمها على أنها صاحبة إرث صناعي، إذ تجمع جلّ الروايات الشفوية التي يقدّمها أبناء المدينة أنها كانت تشتهر بصناعة الجلود والدباغة بالنظر للثروة الحيوانية الهائلة التي كانت تتوفر عليها في سبعينيات وثمانينيات وحتى منتصف تسعينيات القرن الماضي، وكانت توجه للصناعات التحويلية مثل صناعة الأحذية والحقائب، إلى جانب وحدات النسيج والألبسة المحتضنة لورشات الخياطة وصناعة الأقمشة والألبسة، ناهيك عن الصناعة الإلكترونية التي سجلت حضورا لا ينسى في مخيلة الجزائريين عبر منتوجات (enie) كأجهزة الراديو والتلفزيون والثلاجات وغيرها.

كما ازدهرت بها وحدات النجارة الصناعية وصناعة الأثاث، إلى جانب صناعة المصبرات الفلاحية، فضلا عن صناعة قطع الغيار والمسامير التي كانت تابعة للقطاع العمومي والتي كانت تلعب دورا هاما في دعم المكننة الفلاحية. هذا الإرث التاريخي الصناعي وفّر بيئة خصبة وثقافة عمل متأصلة.

وتؤشر الأجواء الآخذة في التشكّل اليوم بسيدي بلعباس، أن المنطقة تتأهب إلى حد ما لاستعادة المكانة التي كانت عليها وتدارك ما فاتها، إذ أن وجود جامعة جيلالي اليابس التي تحتل من عام لآخر مراتب ريادية على المستوى الدولي وترافقها اليوم المؤسسة الوطنية للصناعات الإلكترونية ومراكز التكوين المهني المتخصصة، أصبح يوفر كفاءات بشرية مؤهلة ويد عاملة تلبي حاجيات المستثمرين في شتى القطاعات التكنولوجية والصناعية وحتى الفلاحية.

ولأن الولاية تصنّف كقطب فلاحي بغرب البلاد جعلها وجهة للراغبين في الاستثمارات الفلاحية والصناعة التحويلية، فالمتجول في أنحاء المدينة، وصولا إلى المنطقة الصناعية، يقف على حركية تؤشر إلى انتعاش سوق الشغل إلى حد ما، يكشف عن انتعاش اقتصادي نسبي قياسا بما كانت عليه الأمور في السنوات الماضية.

وترتكز هذه الديناميكية على عدة محاور، بينها توطين 6 مشاريع استثمارية وصناعية ودعم الاستثمار المنتج، منها وحدة لصناعة الأثاث بمختلف أنواعه ووحدة لتحويل الرخام والغرانيت ووحدة لإنتاج المضخات ولواحقها، كما تم توطين وحدة لتحويل مادة البلاستيك، إلى جانب مصنع للعطور ومواد التجميل والنظافة البدنية.

سوق الشغل منتعشة..

إذ وإلى ذلك تنفرد الولاية بمصنع هام لتجفيف وتصبير المنتجات الفلاحية بمعايير عالمية ببلدية بن باديس الواقعة على بعد نحو 40 كم إلى غرب الولاية، بقدرة إنتاج تقدّر بنحو 1300 طن سنويا من معلبات الخضر والفواكه، كما تم خلال السنوات الأخيرة فتح مصنع للأدوية المضادة للسرطان بمدينة سيدي بلعباس بطاقة إنتاج تقدّر بـ 400 ألف علبة سنويا، ناهيك عن مصنع الجرارات والحصادات لتزويد الولاية بالعتاد الفلاحي...الخ

ويقول بعض المرافقين لعملية الاستثمار، أن الجهة الجنوبية للولاية راحت تشكل محور استقطاب كراس الماء وتلاغ، بينها مشاريع فلاحية إلى جانب مشاريع أخرى مقدمة في إطار عروض منصة الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار.

وتشير مصادر على صلة بتنظيم سوق الشغل بالولاية، إلى أن ربط طالبي العمل وبرامج التشغيل بآليات التكوين المهني بهدف مطابقة مهارة الشباب مع احتياجات سوق الشغل الفعلية والمشاريع الجديدة، كان له دور أيضا في بروز مؤشرات الإنعاش، يحدث ذلك في غمرة مساعي السلطات لاسترجاع العقار الموجه للاستثمار غير المستغل ضمن جهود تشجيع الاستثمار الحقيقي وتطهير العقار الصناعي من المضاربة، إذ تم استرجاع مساحات معتبرة من الأراضي غير المستغلة والممنوحة سابقا في المناطق الصناعية ومناطق النشاطات (سفيزف، تلاغ، راس الماء...).

ومع ذلك، فإن المتجول بمدينة سيدي بلعباس بوسعه الوقوف على مظهر المقاهي المكتظة عن آخرها بالشباب، وقد يفسّر ذلك بشح سوق العمل وتزايد عدد العاطلين، لكن أمين، صاحب فندق بقلب المدينة يقول "الجلوس في المقهى بسيدي بلعباس هو طابع متأصل في النمط السكاني الحضري للمدينة وجعلها تحتل المشهد الحضري والاجتماعي، فالجلوس في المقهى لا يمكن قراءته بغياب فرص العمل، أنا أقول لك الفنادق والمراقد مكتظة عن آخرها يوميا باليد العاملة..."، قبل أن يضيف "هناك توافد كبير لليد العاملة من الولايات المجاورة وحتى من شرق ووسط البلاد للعمل بسيدي بلعباس... الولاية تعرف حركية في سوق العمل مند السنوات الثلاث الأخيرة".

فعلى أرض سيدي بلعباس تتقاطع طموحات الداخلين إليها، ففيما يراها البعض واحدة من أهم القلاع الفلاحية بالإقليم الغربي للجزائر، يراها البعض الآخر قطبا صناعيا، وبين الفلاحة والصناعة تريد المنطقة أن تتجدد في داخل البعد العلمي التكنولوجي لخدمة الفلاحة والصناعة.

وقد شكلت جامعة جيلالي اليابس العريقة وكذا المؤسسة الوطنية للصناعات الإلكترونية، قاطرة لمد الجسور مع السوق الوطني ودعم قطاعي الفلاحة والصناعة بالتكنولوجيا الحديثة.

الجامعة تمدّ جسورها مع السوق..

ففي معرض إجابته على سؤالنا "إلى أي مدى يمكن القول إن جامعة جيلالي اليابس تمكنت من مد جسور التواصل مع السوق الوطنية للخروج من ثقافة القيطو؟، قال مدير الجامعة الدكتور بوزياني مراحي خلال استقبالنا بمقر مديرية الجامعة "من خلال السياسة الإستراتيجية المسطرة من قبل الدولة وخصوصا المؤسسات الناشئة والمؤسسات الاقتصادية المصغرة وكذا المؤسسات الفرعية، ربطت الجامعة جسورا مع كافة القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، من خلال تشجيع الطلبة والأساتذة على فتح أكبر عدد من المؤسسات، من خلال الابتكارات المحصل عليها على مستوى الجامعة بأفكار محلية على مستوى الجامعة".

وتابع المدير في سياق ذلك "لحد الآن وفي إطار مخطط (بروثو ماركت1)، فقد تم تسجيل 8 مؤسسات ناشئة بدأت تنشط من خلال مسرعة الجامعة بعد منحها تمويلات من قبل قطاع التعليم العالي ومقرات...". ومن أهم هذه المشاريع المنجزة، حسبه، نجد الخدمات، التجهيزات المصنّعة مثل استغلال الزيت المستعمل من أجل توليد الطاقة الكهربائية.

وواصل المدير في سياق ذلك "وهناك مشاريع أخرى أنجزها الطلبة أيضا مثل استغلال غاز الأوزون للتعقيم وكذلك تصفية المياه المستعملة باستعمال غاز الأوزون، إلى جانب صناعة جهاز جديد يخص عزل المواد المعدنية من البلاستيكية باستعمال الطاقة الكهربائية بضغط عال..".

اختراعات لقطاع الفلاحة..

وبشأن الجديد الذي ساهمت به الجامعة في قطاع الفلاحة، أجاب قائلا "حاليا توجهت الجامعة نحو الفلاحة من خلال استغلال غاز الأوزون في الميدان الفلاحي عبر السقي بهدف زيادة المنتوج وتسريع نموه والتجربة تمت على مستوى معهد العلوم الفلاحية". ويكشف المدير في سياق ذلك، أن "جامعة جيلالي اليابس تملك حاليا أرضية تكنولوجية متطورة جدا مزودة بأجهزة حديثة من أجل تصنيع وتطوير الابتكارات المنبثقة من مخابر الجامعة.."، كما "تملك الجامعة مزرعة بيداغوجية تحتوي على كل الإمكانيات الخاصة بتكوينات في ميدان العلوم الفلاحية، بينها 72 هكتار أراضي فلاحية مخصصة لإجراء تجارب، بها خيول،أبقار، جمال، أغنام، وأنواع شتى من الطيور. وتطمح حاليا إلى ترقية المعهد الفلاحي إلى مدرسة عليا للتكنولوجيا الفلاحية...".

اتفاقية مع جامعة (توشيا) الإيطالية

وكشف في سياق ذلك رهانات الجامعة مع التكنولوجيا الفلاحية مستقبلا قائلا "لقد قمنا بتوقيع اتفاقية ما بين جامعة جيلالي اليابس بسيدي بلعباس وجامعة (توشيا) الإيطالية لأجل ترقية التعاون العلمي والبحث في إطار مخطط (أنريكو ماتيي) وهو مخطط إيطالي من أجل التعاون الإفريقي، وهو أحد أغنياء إيطاليا الذي عايش الثورة الجزائرية وقام بتقديم الدعم لها..".

ومقابل ذلك، يؤكد أن لجامعة جيلالي اليابس مخطط اسمه (بروتو ماركت 2) سجلت به الجامعة 90 مشروع مؤسسة ناشئة ومصغرة في كل المجالات، الصناعي، الخدماتي، الزراعي، فالبحث العلمي مسخر لخدمة هذه النقلة من خلال نتائج بحثية وابتكارية.

وتحصي جامعة جيلالي اليابس التي أنشئت في 1978م في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين التي كان أساتذتها غالبيتهم أجانب، قبل أن تفتح بها فروع الفيزياء، الإلكترونيك، العلوم الطبية، ما يقرب من 27 ألف طالب يؤطرهم 1539 أستاذ جامعي وبها 12 ميدانا علميا و200 مسار، منها 103 للماستر و69 لليسانس و14 مسار للمدرسية العليا للأساتذة و3 مسارات للعلوم الطبية، ناهيك عن 57 مخبر بحث، ومنها تخرّج إطارات المؤسسة الوطنية للصناعات الإلكترونية، كما تتشكل الجامعة من 10 كليات ومعهد للعلوم الفلاحية، منها 5 كليات علمية تكنولوجية.

تستوي ولاية سيدي بلعباس على 386 ألف هكتار من الأراضي، منها 363 ألف هكتار صالحة للزراعة، ويقدم رئيس الغرفة الفلاحية، الحاج بن خالد ميلود، ولاية سيدي بلعباس، كقطب فلاحي هام بغرب البلاد والتي تعرف خاصة بزراعة القمح بنوعيه القمح اللين والصلب والشعير والخرطال وأشجار مثمرة وخضر وفواكه وتربية المواشي، وتساهم على نحو فعال في تكريس الأمن الغذائي للبلاد بإنتاج نحو مليون و400 ألف قنطار من الحبوب في موسم 2026، وذلك بعد أن كانت تنتج نحو ثلاثة (3) ملايين قنطار خلال السنوات الماضية.

ملابسات... !

لكن من أصل 363 آلف هكتار، سيدي بلعباس تستغل اليوم إلا 136 آلف هكتار، ومع أن المكلّف بالإرشاد بمديرية المصالح الفلاحية، حفيظ نعيمي، يقول إنها مساحة مخصصة فقط لإنتاج الحبوب، يؤكد رئيس الغرفة أن هناك أراض غير مستغلة، في مؤشر واضح إلى وجود ملابسات عديدة تقف وراء عدم استغلال تلك الأراضي في وقت يلح فيه الرئيس عبد المجيد تبون على ضرورة رفع مساحة الأراضي الصالحة للزراعة واستغلالها لتنفيذ خطة تجسيد الأمن ألغذائي.

ويقول رئيس الغرفة "الوالي طلب من مدير الديوان الوطني للأراضي الفلاحية توضيح هذا الأمر، بل إن الغرفة الفلاحية تتساءل إلى غاية اليوم، لماذا ظلت الأراضي هذه دون استغلال، خصوصا وأن هناك فلاحين لم يتمكنوا من تسوية وضعياتهم في وقت تصرّ فيه الدولة على استغلال الأراضي الصالحة لرفع المساحة المزروعة، خصوصا وأن السلطات العليا تسعى إلى تقليص فاتورة استيراد القمح...".

كما يشير إلى أن "الأراضي المسقية حظيت بدعم الدولة وشملت 20 ألف هكتار مساحة مسقية، لكن في الواقع لا توجد إلا 5 بالمائة فقط، لذلك الوالي أمر بفتح تحقيق في الأمر لمعرفة مصير المساحة المتبقية ومن استفاد من الدعم".

كما تشتهر الولاية بإنتاج البطاطا وكانت تحتل المراتب الأولى في تخزين البطاطا، لكن منذ السنوات الأخيرة توقف المنتجون الصغار عن النشاط ببلديات سيد علي بن يوب، مولاي سنيسل، رأس الماء، الطابية وتلاغ، وتحولوا إلى الاهتمام بالأشجار المثمرة وخلفهم فلاحون قدموا من ولايات عين الدفلى، غليزان، الشلف، معسكر... هؤلاء حسب أعضاء مجلس إدارة الغرفة الفلاحية يقومون بنقل إنتاجهم من البطاطا من سيدي بلعباس إلى ولاياتهم الأصلية، وهو ما تسبب في ارتفاع الأسعار. ويقولون

"البطاطا التي تنتج بسيدي بلعباس يتم تخزينها بمعسكر وتباع في سوق الجملة بتغنيف ما تسبب في ارتفاع أسعارها، لذلك نحن نطالب السلطات بالتدخل لإرجاع تعاونية التبريد لسيدي بلعباس، فهي كانت تعاونية جهوية بغرب البلاد، أنشأها الرئيس الراحل هواري بومدين وكانت تموّن غالبية ولايات الغرب...".

الأشجار المثمرة.. استنزاف للمياه الجوفية

ومع ذلك، فإن ما فهمناه من لدن القائمين على تسيير القطاع الفلاحي بسيدي بلعباس هو أن الاستثمار في الأشجار المثمرة (17404هكتار)، بات ينظر له بعين الشك والريبة، ويقولون إن التوجه إلى هذا المجال تسبّب في استنزاف المياه الجوفية وقاد إلى توقف عدد من المزارعين الصغار عن النشاط ممن اعتادوا على زراعة الخضر والفواكه الثوم، البصل، البطاطا، الجزر نتيجة نقص المياه.

ويقول المكلف بالإرشاد الفلاحي إن "لولاية احتلت المرتبة الـ 7 وطنيا في إنتاج الحبوب هذا الموسم، كونها عانت من جفاف دام سبع (7) سنوات، ما جعل كثير من الفلاحين يبيعون عتادهم ويقتحمون مجال الأشجار المثمرة.."، قبل أن يضيف "هذا التوجه إيجابي لكنه يتم على حساب استنزاف الثروة المائية، وكان يفترض أن يوجه هذا المخزون الهائل من المياه إلى الحبوب أي الزراعات الإستراتجية لتجسيد الأمن الغذائي". ومهما يكن، فإن الأجواء الآخذة في التشكل، تؤشر إلى أن الدولة ترتب لجعل سيدي بلعباس سلة غداء رئيسية في غرب البلاد، ذلك بعد أن منحت 10 مخازن من سعة 50 ألف قنطار لكل مخزن، زيادة عن قدرات التخزين المتوفرة بالتعاونيات الفلاحية وصومعة بسعة مليون قنطار وهي الآن في طور الإنجاز، في مؤشر واضح إلى القدرة الإنتاجية الكبيرة في إنتاج الحبوب، خصوصا وأن الدولة تراهن على تقليص فاتورة استيراد القمح وتجسيد الأمن الغذائي.

ماض فلاحي مشرّف..

ولعل توطين مصنع (سوناليكا فاماغ) لصناعة الجرارات الفلاحية، وهي مؤسسة بشراكة جزائرية هندية بسيدي بلعباس، يعكس هذا التوجه، إذ يأتي دعم هذا النوع من المشاريع في إطار الإستراتيجية الوطنية الشاملة لتعزيز القطاع الفلاحي وتحديث أساليبه الإنتاجية التي أطلقها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، والتي تضع المكننة الفلاحية وتحديث الأساليب الإنتاجية في صدارة الأولويات لتعزيز الإنتاج الوطني والحد من التبعية العدائية.

إذ يرتقب المكلف بالإرشاد الفلاحي أن تستعيد الولاية مكانتها الريادية في الحبوب في حال توفرت الظروف المناخية، في أعقاب تأكيده على أنه تم وضع هدف زراعة ما بين 132 و136 ألف هكتار خلال موسم 2026- 2027، خاصة بإنتاج الحبوب، ولو أن المساحة هذه كان يفترض العمل على رفعها إلى عتبة 180 إلى 200 ألف هكتار. وبوسع الدولة أن تلتفت من حولها وتتدخل لضبط خريطة طريق بعث قطاع الزراعة بهذه الولاية لتستعيد مجدها الفلاحي المشرق على نحو ما كانت عليه في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، إذ كان آنذاك بسيدي بلعباس المدرسة الجهوية للفلاحة، يأتيها الطلبة من عدة دول في مقدمتها القارة السمراء وهي الثانية بعد مدرسة (مونبولييه) الفرنسية، كما كان بها التعاونية الجهوية للتبريد والتخزين. ومع ذلك لا زالت اليوم تحوز على مؤهلات ومقومات تضعها موضع سلة غذاء عملاقة بغرب البلاد، فهي تمثل اليوم واحدة من كبريات أحواض الحليب بالجزائر، إذ تحصي الولاية 30618 رأس من البقر، بينها 18428 بقرة حلوب، تعود 1200 بقرة لأحد المستثمرين الكبار، ما جعل الولاية تحتل مكانة في مجال الحليب، إذ تحصي إلى غاية اليوم ثماني (8 ملبنات).

إحصاء المواشي متوقف..

وموازاة مع ذلك، تراهن الدولة حاليا على إضفاء مزيد من التنظيم والرقابة على مجال تربية المواشي، وهو المجال الذي حققت فيه سيدي بلعباس مراتب متقدمة في قائمة الولايات السهبية الرعوية، في مسعى الرد على احتياجات السوق الوطني، إذ تحصي اليوم ما تعداده 556964 رأس من الأغنام و54494 من الماعز، وذلك بعد أن كانت الولاية تحصي قبل أربع سنوات ما تعداده مليون رأس من الماشية وتراجع العدد اليوم إلى 600 ألف رأس نتيجة الجفاف والإقبال على ذبح النعاج.

ويتوقع رئيس الغرفة الفلاحية، الحاج بن خالد ميلود، أن يتم استرجاع العدد الذي كان من قبل في أعقاب إعلان الرئيس عبد المجيد تبون عن تسليط عقوبات على كل من يذبح إناث الخرفان في مسعى لمضاعفة الإنتاج، ولو أن عملية إحصاء رؤوس الماشية التي شرعت فيها وزارة الفلاحة (بقر وأغنام) باستعمال الشريحة الإلكترونية توقفت بعد أن رفض عدد من المربين الإنخراط في العملية.

ومقابل ذلك، لا تزال الدولة ماضية في مساعي الاستثمار الفلاحي على نحو جدي بمواصلة تنفيذ برنامج ربط المستثمرات الفلاحية بالكهرباء، فإلي غاية 2025 تم ربط 287 مستثمرة والعملية متواصلة، إذ تحصي الولاية 2478 مزرعة جماعية و4431 فردية، فيما بلغ عدد المستفيدين من تسوية ملفات الإستصلاح الفلاحي 1112 بجنوب الولاية.

مصنع لتحويل الطماطم..

وقد أبقت الدولة في سياق ذلك، على اليد الممدودة ضمن خطة إيصال الاستثمار الفلاحي إلى مبتغاها عبر الدعم الفلاحي الذي يشمل العتاد الفلاحي كآلات الحصاد والجرارات والمحارث التي ينتجها المركب الجهوي للعتاد الفلاحي، ناهيك عن الدعم المقدم في جانب وسائل السقي، حفر الآبار، بل وباشرت مسار استعمال التكنولوجيا في زراعة الحبوب، كآلات الزرع على الخطوط وتوفير محاور الرش، ولو أنها لم تعمّم بعد، وهي عادة ما تمنح للمستثمرين الكبار، ناهيك عن الشروع في تجسيد مشروع استعمال الطاقة الشمسية التي استفاد منها 37 فلاحا وتم ربط 18 مستثمرة بها. ومع أن الولاية خطت خطوات مشجّعة في مسار الصناعة التحويلية بعد أن تم توطين عدة مصانع ووحدات، بينها مصنع تجفيف الخضر والفواكه، إلى جانب ثماني (8) ملبنات و10 مطاحن و5 معاصر لزيت الزيتون و6 مذابح...الخ، إلا أن القائمين على تسيير القطاع بالمنطقة يقولون إنه بات من الضروري إنجاز مصنع لتحويل الطماطم الصناعية التي ما تزال تذهب إلى ولاية الشلف.

ومع ذلك على أرض سيدي بلعباس تتقاطع المقومات والمؤهلات الفلاحية مع الوجه الآخر للمنطقة، هو الصفحات المشرقة للصناعة، فحيثما ارتحلت في الجزائر، تجد مخيّلة الجزائريين تحتفظ بصور الصناعة الكهرومنزلية (تلفزيونات، راديو، ثلاجات، مطابخ..) التي كانت تنتجها مؤسسة (سونيلاك) سابقا وأصبح اسمها منذ 1983 المؤسسة الوطنية للصناعات الإلكترونية (enie) عقب عملية إعادة الهيكلة لشركة (سونيلاك).

فبعض أبناء المدينة ممن اشتغلوا بالمؤسسة في وقت سابق، يقولون إن (ايني) هي واحدة من رموز الحفاظ على الهوية الصناعية للولاية، وهي اليوم تعيش في قلب تحديات مواكبة التطور التكنولوجي في العالم من جهة، والرد على حاجيات السوق الوطني من جهة أخرى لخدمة التنمية.

"دخلنا مجال التصنيع المتطور.."

ففي معرض إجابته على سؤالنا "إلى أي مدى يمكن القول إن المؤسسة الوطنية للصناعات الإلكترونية تواكب التطورات التكنولوجية وتمدّ جسورها مع السوق الوطنية لخدمة التنمية والاقتصاد الوطني" الموجّه لمدير المؤسسة عبد السلام بواب الذي استقبلنا بمقر المؤسسة، ورد قائلا "المؤسسة قررت العمل على تنويع مجالات صناعاتها، منها ولوج المجال المالي كصناعة آلات الدفع الإلكتروني، إلى جانب مشروع آخر سنشرع في تنفيذه في القريب العاجل يخص الموزّعات الآلية، البرمجيات في المجال المالي، ففي مجال الدفع الالكتروني نستحوذ حاليا على أزيد من 50 بالمائة من السوق الوطني...".

وتابع المدير "أما المجال الثاني فيتعلق بصناعة الكاميرات بشراكة تكنولوجية مع شركة (داهوا) الصينية وهي التي تحتل المرتبة الثانية عالميا في المجال، كما نتجه إلى صناعة شاشات العرض والشاشات المستخدمة في الإشهار..".

وكشف المدير عبد السلام بواب في سياق ذلك، أن المؤسسة الوطنية للصناعات الالكترونية "دخلت التصنيع المتطور عبر شراكات مع تكنولوجيين يحتلون المراتب الأولى عالميا مثل (آس زاد زاد ثي) وشركة (داهوا) وشركات (اي ثي سي) و (فاينر)، إلى جانب شركات أخرى بهدف نقل التكنولوجيا والرفع من نسبة الإدماج من سنة لأخرى.

واستنادا لآرائه، فقد تمكنت المؤسسة من اقتحام مجال الطاقة الشمسية عبر إنتاج الألواح الشمسية وإيجاد حلول طاقوية بديلة في المناطق المعزولة، ما يعني أنه يمكن استخدامها في ربط المستثمرات الفلاحية بالطاقة بدل الكهرباء التقليدية.

نرتّب لتحقيق قفزة نوعية..

وفي معرض رده على سؤال يتعلق بالرهانات المستقبلية، قال "إن المؤسسة تراهن على إدخال التكنولوجيا الجديدة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي عبر تعزيز الشراكات مع تكنولوجيين عالميين وباحثين جزائريين بالداخل والخارج والتكوين المستمر، والدليل على ذلك هو أن آخر آلة دفع إلكتروني تحولت من آلة دفع إلى علبة ذكية، إذ يمكن استعمالها في عدة مجالات..."، قبل أن يضيف "ففي أفق 2030 تكون المؤسسة قد حققت قفزة نوعية..".

ويرى أن الدولة لا بد أن تتدخل لمراقبة السوق والتدقيق في بعض المنتجات عبر مخابر مختصة لأجل أن تكون المنافسة عادلة، وذلك بالنظر للمنافسة القوية في السوق الوطني. إذ أن ما وقفنا عليه هو أن المؤسسة أصبح لديها مخبر للبحث والتطوير مرتبط بجامعات الوطن والمؤسسات البحثية الوطنية لأجل ربط ما هو علمي تكنولوجي بالسوق الوطني، عبر برامج عدة أبرزها البرنامج الوطني للبحث العلمي في نسخاته المتعددة، آخرها اعتماد 8 مشاريع بحثية ستمول، حسبه، من قبل الدولة، بين باحثين من جامعات مختلفة ومؤسسة (إيني).

باريس الصغيرة..

ومع ذلك، على أرض سيدي بلعباس التي كان يطلق عليها (باريس الصغيرة) ما يستحق الحياة، فحيثما ارتحلت في قلب المدينة يشدّك النمط العمراني الأوروبي إليه والبارز في العدد الهائل للفيلات الكولونيالية وحتى مباني بعض المؤسسات التي لن تجد لها أثرا حتى في بعض المدن الأوروبية بالنظر للهندسة المعمارية الفريدة من نوعها. ففيما تحول شارع الأمير عبد القادر إلى قلب نابض بالحياة ووجهة مفضلة للزوار من أبناء المنطقة، تحول شارع الصومام إلى وجهة مفضلة (للقعدات) والسهرات في الهواء الطلق لتناول المثلجات والشاي والقهوة والاستمتاع بالنسيم العليل، ولا تقل شوارع (الفوبور) وحمو بوتليليس العتيقة حيوية ودينامكية، بعد أن أضفت وسيلة النقل بالترامواي لمستها وجعلت الناس والزوار يتنقلون على نحو سلس إلى الأسواق الشعبية والأحياء ومختلف المتاجر ومراكز التسوق.

يحدث ذلك في وقت أضفى فيه السوق الشعبي (القرابة) أو الطحطاحة) لمسة خاصة على المدينة، فهو واحد من أعرق وأشهر الأسواق، كونه يشكل ذاكرة المدينة، ولا يزال إلى غاية اليوم مقصدا مفضلا لكل أبناء المدينة ممن يبحثون عن أسعار تنافسية.

شح فضاءات الراحة والترفيه

ومع ذلك يعترف بعض من أبناء مدينة سيدي بلعباس بافتقار ولايتهم إلى فضاءات الراحة والبدائل الترفيهية، لتصبح بحيرة سيد محمد بن علي الوجهة الأبرز على الإطلاق بالولاية، وهي فضاء طبيعي سياحي يقع على سفح جبل تسالة، تتميز بغطاء نباتي خلاّب يجدب الزوار من هواة صيد الأسماك والباحثين عن الراحة، تضم في محيطها حظيرة حضرية وفضاءات ترفيهية ومقاهي وملاعب ومرافق للتسلية مثل حديقة (تسالة لاند)، إلى جانب حديقة عمومية بقلب المدينة. وكان يفترض على القائمين على تسيير الشأن العام، إيجاد فضاءات أو بدائل للترفيه والراحة كتهيئة فضاءات بجبل تسالة وتحويله إلى وجهة سياحية لكسر الروتين وتجديد نفس الحياة حتى لا يتحوّل الناس إلى كائنات مضغوطة.