الوطن

جماعات إجرامية متخصصة وراء عمليات الغش في الامتحانات الوطنية

تسعى إلى تحقيق مآرب لا تمت بصلة للامتحانات النهائية.

  • 335
  • 4:47 دقيقة
الصورة: م.ح
الصورة: م.ح

أكد النائب العام لدى مجلس قضاء الجزائر، محمد الكمال بن بوضياف، أن عمليات الغش في الامتحانات الوطنية أصبحت تُرتكب من طرف جماعات إجرامية متخصصة، تسعى إلى تحقيق مآرب لا تمت بصلة للامتحانات النهائية في حد ذاتها، مشيرا إلى أن النيابة العامة تعد الجهة المخولة قانونا لتحريك الدعوى العمومية ضد المتورطين والسهر على تطبيق القانون وحماية النظام العام.

وأوضح بن بوضياف، أن ملتقى، اليوم، يندرج في إطار تعزيز الوعي القانوني بأهمية حماية الامتحانات من مختلف مظاهر الغش، باعتبار أن نزاهة الامتحانات تمثل ركيزة أساسية لضمان مصداقية المنظومة التربوية وحماية قيمة الشهادات العلمية. وخلال تدخله في أشغال اليوم الدراسي الموسوم بعنوان: "الحماية الجزائية لنزاهة الامتحانات النهائية للتعليم المتوسط والثانوي بين المقاربة الوقائية والردعية"، اعتبر بن بوضياف، في كلمة ألقاها نيابة عنه النائب العام المساعد منصور فؤاد، أن الجرائم الماسة بنزاهة الامتحانات تعد من بين أهم المواضيع التي فرضت نفسها في السنوات الأخيرة، بالنظر إلى تزايدها الملحوظ وارتكابها من قبل فئة الأطفال المعنيين بامتحاني التعليم المتوسط والبكالوريا، أو من قبل أطراف أخرى تستعمل وسائل تكنولوجية حديثة لتسهيل عمليات الغش وتسريب المواضيع والأجوبة، الأمر الذي يصعب تعقبها في كثير من الأحيان. وأردف أن هذه الأفعال أضحت ترتكب من قبل جماعات إجرامية متخصصة تستهدف تحقيق أغراض أخرى لا علاقة لها بالامتحانات النهائية في حد ذاتها.

وأبرز النائب العام لدى مجلس قضاء الجزائر، الدور المحوري الذي تضطلع به النيابة العامة في مجال حماية نزاهة الامتحانات، باعتبارها الجهة المكلفة قانونا بتحريك الدعوى العمومية والسهر على تطبيق القانون وحماية النظام العام. ويتجلى هذا الدور، حسبه، من خلال المتابعات الفورية للجرائم الماسة بنزاهة الامتحانات، عبر انتهاج سياسة جزائية صارمة تقوم على التنسيق المستمر مع مختلف الشركاء، قصد ضمان التدخل السريع والفعال لمواجهة هذا النوع من الجرائم الذي يمس بمصداقية الامتحانات وبمبدأ تكافؤ الفرص، باعتبار أن تلاميذ اليوم هم إطارات وقادة الغد.

وأكد بن بوضياف أن دور النيابة العامة في حماية نزاهة الامتحانات لا يقتصر على الجانب الردعي فقط، بل يمتد إلى أداء دور وقائي بالغ الأهمية، من خلال المساهمة في استباق الجرائم الماسة بنزاهة الامتحانات النهائية قبل وقوعها، ويتجسد ذلك عبر التنسيق المسبق مع المصالح الأمنية والهيئات التربوية ومتابعة الفضاء الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي، لرصد أي محاولات من شأنها عرقلة السير الحسن للامتحانات حتى قبل انطلاقها.

كما تعمل نيابات الجمهورية، في هذا الإطار، على نشر الوعي القانوني بخطورة هذه الأفعال وآثارها السلبية على مصداقية الامتحانات، بما يعزز ثقافة النزاهة ويكرس البعد الوقائي للسياسة الجزائية التي تبناها المشرّع الجزائري بموجب أحكام القانون رقم 20-06.

رئيس مجلس قضاء الجزائر: "نزاهة الامتحانات من المصالح الجوهرية تحرص الدولة على حمايتها جزائيا"

من جهته، أشار رئيس مجلس قضاء الجزائر، محمد بودربالة، إلى الظرف الوطني الهام الذي يتزامن مع اقتراب إجراء امتحاني شهادتي التعليم المتوسط والبكالوريا، باعتبارهما من أبرز المواعيد الوطنية التي تتقاطع عندها آمال الأسر وجهود المدرسة ومسؤولية الدولة في صون مبدأ تكافؤ الفرص وضمان عدالة التقييم.

وأوضح أن اختيار هذا التوقيت لعقد اليوم الدراسي بشأن هذا الموضوع، ليس أمرا اعتباطيا، بل يعكس وعيا مؤسساتيا متزايدا بأن حماية نزاهة الامتحانات لم تعد مجرد مسألة تنظيمية أو إجرائية، وإنما أصبحت قضية ترتبط مباشرة بثقة المجتمع في المدرسة وبمصداقية الشهادة الوطنية وسلامة المسار الذي تُبنى من خلاله الكفاءة العلمية والمهنية داخل الدولة.

وأكد في السياق ذاته، أن التطور التكنولوجي المتسارع فرض واقعا جديدا على مختلف المجتمعات بما حمله من مزايا كبيرة في مجالات المعرفة والتواصل، غير أنه أفرز، في المقابل، صورا مستحدثة ومعقّدة من الجرائم المرتبطة باستعمال الوسائل الإلكترونية الحديثة، ومن بينها جرائم الغش والتسريب وانتحال صفة المترشح واستغلال وسائل الاتصال الرقمية للإخلال بالسير العادي للامتحانات والمسابقات.

وأضاف رئيس مجلس قضاء الجزائر، أن الغش في الامتحانات لم يعد مجرد انحراف فردي محدود الأثر، بل أصبح في بعض صوره تهديدا حقيقيا للأمن العلمي للدولة والمجتمع، لأن الدولة التي تجعل من العلم والكفاءة أساسا لبناء مؤسساتها لا يمكن أن تسمح بتقويض مبدأ الجدارة أو بفتح المجال أمام التزييف والتحايل للوصول إلى الشهادات والمؤهلات العلمية والمهنية .وأشار إلى أن خطورة هذه الجرائم تكمن فيما تحدثه من تصدع في الثقة العامة ومسّ بقيمة العلم وإضعاف لمبدأ المساواة بين المترشحين، فضلا عما تخلقه من شعور بالإحباط لدى المجتهدين الذين يؤمنون بأن النجاح ثمرة للعمل والاجتهاد، لا للتحايل والغش.

ومن هذا المنطلق، يضيف المسؤول ذاته، جاء تدخل المشرّع الجزائري ليكرس تحولا واضحا في السياسة الجنائية للدولة، من خلال القانون رقم 20-06 المعدل والمتمم لقانون العقوبات، والذي لم يأت فقط لتشديد العقوبة أو توسيع دائرة التجريم، وإنما ليؤكد بوضوح أن "نزاهة الامتحانات أصبحت من المصالح الجوهرية التي تحرص الدولة على حمايتها حماية جزائية صريحة، لما تمثله من ارتباط وثيق بالأمن العلمي للمجتمع وبمصداقية الكفاءة الوطنية".

وأكد بودربالة أن تدخل القانون لحماية الامتحان لا يتعلق بمجرد حماية تنظيم إداري مؤقت، بل بحماية قيمة العدالة في بعدها التعليمي وصون الثقة في الشهادة الوطنية وضمان حق المجتمع في أن تُبنى مؤسساته على الكفاءة الحقيقية لا على وسائل التزييف والتحايل.

من جهتهم، أوصى المشاركون في اليوم الإعلامي المنظم، أمس، بمجلس قضاء الجزائر حول "الحماية الجزائية لنزاهة الامتحانات النهائية للتعليم المتوسط والثانوي بين المقاربة الوقائية والردعية"، بضرورة توفير أجهزة كشف وسائل الغش الإلكتروني داخل مراكز الامتحانات والمسابقات، إلى جانب توفير أنظمة تشويش على وسائل الاتصال عن بعد.

كما دعوا، في ختام الملتقى، المؤسسات التابعة لقطاعي التعليم العالي والتربية الوطنية إلى تبني استراتيجية شاملة لمكافحة الغش في الامتحانات، تنطلق من إعداد دراسات تخصصية معمقة لفهم أسباب الظاهرة ووضع مقاربات خاصة لمعالجة كل عامل من عواملها، فضلا عن سنّ نصوص قانونية تجرّم وتعاقب التلاعب والتزوير في نتائج الامتحانات والتعديل غير القانوني لنتائج الطلبة وتجريم نشر الإشاعات المغرضة المتعلقة بتسريب مواضيع الامتحانات أو نشر مواضيع مضللة تحمل شكل أوراق الأسئلة الرسمية وتنشر عشية الامتحانات، بما يشتت انتباه التلاميذ ويزرع البلبلة في أوساطهم.

وشدد المشاركون، في السياق ذاته، على ضرورة تبني إجراءات خاصة فيما يتعلق بالمتابعة والتحقيق والمحاكمة في هذا النوع من الجرائم، مع تفعيل دور وسائل الإعلام من خلال إعداد برامج هادفة تعالج ظاهرة الغش في الامتحانات وتبصر المترشحين بالأضرار الناجمة عن هذا السلوك الخطير، سواء على المستوى التعليمي أو السلوكي، إضافة إلى إشراك مؤسسة المسجد وتنظيم ندوات دينية لتوضيح مخاطر الغش في الامتحانات ومدى تعارضه مع المبادئ الدينية والقيم التربوية وتوعية المترشحين بخطورته من الناحية الشرعية.