اقتصاد

الجزائر – ألمانيا.. خطوة ملموسة لتجسيد مشروع الهيدروجين الأخضر

لقاء رفيع المستوى سيعقد يوم الإثنين في الجزائر العاصمة.

  • 560
  • 4:34 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

تحتضن العاصمة الجزائر، يوم الاثنين 21 سبتمبر 2026، في خطوة تعكس تحولاً استراتيجياً في العلاقات الجزائرية - الألمانية، لقاء أعمال ثنائياً رفيع المستوى مخصصاً للهيدروجين الأخضر وتكنولوجيات تخزين الطاقة، بمشاركة وفد من كبرى الشركات الألمانية المتخصصة في سلسلة قيمة الهيدروجين، إلى جانب مؤسسات جزائرية قطاعية وإطارات من وزارتي الطاقة في البلدين.

حسب بيان للغرفة الجزائرية - الألمانية للتجارة والصناعة (AHK Algérie)، الجهة المنظمة، فإن هذا اللقاء يندرج في إطار رحلة عمل ألمانية مقررة، من 21 إلى 25 سبتمبر الجاري، إلى الجزائر وتونس، في إطار “مبادرة التصدير الألمانية في مجال الطاقة”، حيث يهدف إلى “تعزيز التبادل بين الشركات الجزائرية والألمانية وتحديد فرص الشراكة، خاصة في القطاعات المرتبطة بالهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة وتخزين الطاقة”.

ومن المرتقب أن يقدم الوفد الألماني، الذي يضم ممثلين عن شركات ومؤسسات قطاعية وإطارات وزارية ومنظمات مهنية، عرضاً للتكنولوجيات والخدمات في مجالات حيوية تشمل التحليل الكهربائي، ومعالجة وتحلية المياه، وتقنيات التخزين والضغط، والمضخات والمعدات الصناعية، وإعادة تحويل خطوط الأنابيب الحالية، والهندسة، فضلاً عن التصديق ودراسات الجدوى. كما سيتضمن البرنامج عروضاً من الوكالة الألمانية للتعاون الدولي من أجل التنمية المستدامة (GIZ)، ومائدة مستديرة حول آفاق التعاون الثنائي، إلى جانب لقاءات ثنائية (B2B) بين الشركات لتمكين تحديد المشاريع والشركاء المحتملين.

“ممر الهيدروجين الجنوبي” SoutH2 في صلب المباحثات

وسيكون مشروع “ممر الهيدروجين الجنوبي” (SoutH2 Corridor) محوراً مركزياً في أشغال اللقاء، بوصفه البنية التحتية الإستراتيجية التي ستسمح بتصدير الهيدروجين الأخضر المنتج في الجزائر إلى الأسواق الأوروبية، لاسيما ألمانيا، عبر تونس وإيطاليا والنمسا. ويُنتظر أن يمتد هذا الممر على مسافة تناهز 3,300 كيلومتر، مستفيداً من تكييف وتوسيع جزء من شبكة أنابيب الغاز الحالية (Transmed)، مما يمنح المشروع ميزة تنافسية كبيرة من حيث الكلفة ومدة الإنجاز.

ويحظى المشروع بدعم سياسي ومالي من المفوضية الأوروبية، والتزام فعلي من الدول المعنية الخمس: الجزائر وتونس من الضفة الجنوبية للمتوسط، وألمانيا وإيطاليا والنمسا في أوروبا. وقد عُقد اجتماع وزاري خماسي تحضيري في الجزائر في 30 أوت الماضي، برئاسة وزير الطاقة والطاقات المتجددة، السيد مراد عجال، تمهيداً للاجتماع الوزاري المرتقب للدول الخمس في الجزائر، خلال سبتمبر الجاري، الذي يهدف إلى “تنسيق الخطوات الضرورية لتنفيذ المشروع”.

وكان الرئيس عبد المجيد تبون والمستشار الألماني فريدريش ميرز قد أعلنا، في مؤتمر صحفي مشترك ببرلين في 16 جويلية 2026، على هامش الزيارة الرسمية للرئيس تبون إلى ألمانيا، عن “الإطلاق الوشيك” لمشروع ممر الهيدروجين الجنوبي، مؤكدين “إرادتهما المشتركة في تجسيد هذا المشروع الذي سينقل الهيدروجين الأخضر المنتج في الجزائر إلى ألمانيا”.

وقال الرئيس عبد المجيد تبون، في هذا الصدد، إن “الجزائر وألمانيا ستشرعان قريباً في إنجاز ممر الهيدروجين الأخضر”، حيث جاء الإعلان خلال مؤتمر صحفي مشترك عقده رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون مع المستشار الألماني أولاف شولتس في العاصمة الألمانية برلين، مضيفاً أن “أصدقاءنا الألمان يتطرقون لأول مرة إلى الطاقة، وخاصة الغاز، لتموين ألمانيا، ونحن ممون موثوق لا يتخلى عن واجباته في البحر الأبيض المتوسط ومع دول أوروبا بصفة عامة”.

من جانبه، شدد المستشار الألماني على أن بلاده “تولي أهمية كبيرة لتوسيع التعاون في قطاع الطاقة لا سيما عبر الممر الجنوبي للهيدروجين”، مشيراً إلى أن ألمانيا “ستعمل مع الجزائر وإيطاليا لدفع تنفيذ هذا الممر خلال الأشهر المقبلة”.

أكثر من 30 اتفاقاً ثنائياً وشراكات صناعية كبرى

وقد تُوّجت الزيارة الرسمية للرئيس تبون إلى برلين، التي دامت يومين، باعتماد “أجندة إستراتيجية” للشراكة الثنائية، والتوقيع على نحو 30 اتفاقاً ومذكرة تفاهم بين شركات ومؤسسات البلدين، شملت قطاعات الطاقة والصناعة والتكنولوجيا.

وفي هذا السياق، وقّع مجمع سوناطراك مذكرتي تفاهم منفصلتين مع شركتي “بوش” (Bosch) و”سيمنس إنرجي” (Siemens Energy)، الأولى تهدف إلى “دراسة فرص تطوير الهيدروجين الأخضر في الجزائر، بما في ذلك تصنيع المحللات الكهربائية (الإلكتروليزر) وإنتاج الهيدروجين”، والثانية تركز على “صيانة وإصلاح المعدات، والتكوين، والهيدروجين الأخضر، وحلول الضغط”، فضلاً عن تطوير سلاسل القيمة المحلية للصلب الأخضر والأمونيا الخضراء.

كما وقّع مجمع سوناطراك، في 17 جوان 2026، مذكرة تفاهم جديدة مع المجموعة الطاقوية الألمانية “VNG AG”، لاستكشاف فرص التعاون في مجالات الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء والحد من انبعاثات غاز الميثان، بما ينسجم مع أهداف الانتقال الطاقوي والتنمية المستدامة. وقد أكد رئيس مجلس إدارة VNG، أولف هايتمولر، “ارتياحه لمستوى التعاون القائم مع سوناطراك، مشيداً بمكانة الجزائر كمورد موثوق للطاقة وشريك استراتيجي لأوروبا”.

مشروع تجريبي في أرزيو بتمويل ألماني - أوروبي

وعلى المستوى الميداني، تتقدم الجزائر بخطى ثابتة نحو تجسيد أول نموذج صناعي للهيدروجين الأخضر؛ فبالإضافة إلى الإطار القانوني والمؤسسي الذي يتم استكماله لجذب الاستثمارات، يعمل البلد على إنجاز مشروع تجريبي نصف صناعي لإنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته بقدرة 50 ميغاواط في موقع أرزيو بولاية وهران، وهو المشروع الذي يحظى بدعم مالي من الحكومة الألمانية والاتحاد الأوروبي، بقيمة مساهمة ألمانية تصل إلى 20 مليون أورو.

ويأتي هذا الزخم في وقت تشهد فيه الجزائر تطوراً متسارعاً في قطاع الطاقات المتجددة، لا سيما الطاقة الشمسية التي تسجل أعلى معدلات النموفي القارة الإفريقية، وفقاً لتقرير “موردور إنتليجنس” الأخير. وتُعتبر هذه filière ركيزة أساسية لتطوير الهيدروجين الأخضر، بالنظر إلى ما تتيحه من إمكانيات هائلة لإنتاج الكهرباء النظيفة اللازمة لعملية التحليل الكهربائي للمياه.

وفي هذا الإطار، تتقدم الجزائر كشريك موثوق لأوروبا في أفق تحول طاقوي عالمي، مستفيدة من موقعها الجغرافي القريب، وبنيتها التحتية الطاقوية المتطورة (شبكات الغاز العابرة للمتوسط، وموانئ التصدير، وقدرات التخزين)، وخبرتها الطويلة كمورد للغاز الطبيعي. وقد احتلت الجزائر، في 2025، المرتبة الثانية بين موردي الغاز إلى الاتحاد الأوروبي، مما يعزز مكانتها كمزود استراتيجي للطاقة النظيفة في المستقبل المنظور.

ويُنتظر أن يشكل اللقاء الجزائري-الألماني، إلى جانب الزيارة المرتقبة لوفد من الشركات النمساوية إلى الجزائر في نهاية سبتمبر الجاري لمناقشة مشاريع شراكة في مجال الهيدروجين الأخضر، حلقة جديدة في مسار تسريع وتيرة الشراكة الأوروبية - الجزائرية في مجال الطاقة النظيفة.

فبعد أكثر من عامين من التحضير النظري ووضع الأسس، يبدو أن الجزائر وشركاءها الأوروبيين، وفي مقدمتهم ألمانيا، قد قرروا “الانتقال إلى السرعة القصوى” في تجسيد مشاريعهم، مدفوعين بالرهان الأوروبي على تأمين إمدادات طاقوية مستدامة ومنخفضة الكربون، وبالطموح الجزائري في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى قيمة مضافة صناعية وتكنولوجية جديدة.