العالم

"بريكس" وإعادة تشكيل خريطة القوة العالمية

قمة نيودلهي جاءت في قلب مرحلة انتقالية.

  • 2320
  • 3:26 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

انعقدت قمة "بريكس" في نيودلهي يومي 12 و13 سبتمبر 2026 في لحظة دولية استثنائية، تتقاطع فيها الحروب الإقليمية مع الأزمات الاقتصادية وتتداخل فيها اعتبارات أمن الطاقة مع أمن التجارة والممرات البحرية. لم تكن القمة اجتماعا دوريا عاديا، بل جاءت في قلب مرحلة انتقالية يعاد خلالها تعريف مصادر القوة وقواعد التنافس داخل النظام الدولي.

فبعد توسعها لتضم عشرة أعضاء، أصبحت "بريكس" تمثل نحو نصف سكان العالم و40% من الاقتصاد العالمي وفق تعادل القوة الشرائية. لكن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت ستتحول إلى "معسكر مضاد للغرب"، بل هل تستطيع تحويل وزنها الكمي إلى أدوات عملية تعيد توزيع النفوذ الدولي؟

فالمفارقة الأساسية أنه كلما توسعت المجموعة زاد وزنها الدولي وزادت صعوبة الوصول إلى موقف سياسي موحد. فالقوة الحقيقية لـ"بريكس" لن تقاس بعدد أعضائها، بل بقدرتها على تحويل اختلاف المصالح إلى مساحة مشتركة للتعاون.

التجارة العالمية.. من منطق الكفاءة إلى منطق الأمن

في ظل تحول جوهري يشهده الاقتصاد العالمي لم يعد السؤال "أين التكلفة الأقل؟" بل "هل يمكن الوصول إلى السلعة في وقت الأزمات؟". وأصبحت سلاسل الإمداد جزءا من الأمن القومي، والميناء لم يعد مجرد منشأة تجارية، والممر البحري لم يعد مجرد طريق للنقل، ومصدر الطاقة لم يعد مجرد مورد اقتصادي، بل أصبحت جميعها أدوات في معادلة القوة الدولية.

وكشفت الحرب الروسية–الأوكرانية هشاشة سلاسل الطاقة والغذاء والأسمدة، بينما كشفت أزمة الشرق الأوسط أن اضطراب الممرات البحرية يفرض تكاليف إضافية على الاقتصاد العالمي حتى دون توقف التجارة بالكامل.

وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية في 11 سبتمبر 2026 من أن إمدادات النفط العالمية قد تنخفض بنحو 5.7 ملايين برميل يوميا (قرابة 6%) نتيجة اضطرابات الشرق الأوسط والخليج. فالمشكلة لم تعد في وجود النفط داخل الأرض، بل في القدرة على إنتاجه ونقله وتأمين مسارات وصوله.

ورغم أن إيران عضو في "بريكس" منذ 2024، لكن الحرب الحالية وضعت المجموعة أمام معضلة وجودية مع دول ترتبط بعلاقات استراتيجية مع طهران وأخرى خليجية لها حسابات أمنية مختلفة، بينما تواصل الصين وروسيا تعاونهما التجاري مع طهران. لكن قدرة "بريكس" على إنتاج موقف جماعي بشأن الشرق الأوسط تبقى محدودة بطبيعة اختلاف المصالح، والحد الواقعي الممكن للتوافق هو بيانات تدعو إلى وقف التصعيد واحترام سيادة الدول وأمن الملاحة.

بالمقابل، لم تنه العقوبات الغربية التجارة الروسية، بل دفعت موسكو إلى إعادة توجيه صادراتها نحو آسيا، خاصة الصين والهند. وقد أسفر لقاء مودي–بوتين في 11 سبتمبر عن اتفاق لرفع التجارة الثنائية إلى 100 مليار دولار بحلول 2030.

فالهند تقدم نموذجا بالغ الدلالة، تحافظ على شراكة استراتيجية مع واشنطن وفي الوقت نفسه تتمسك بعلاقاتها العميقة مع موسكو وتمارس "الاستقلال الاستراتيجي"، أحد أهم مفاتيح فهم السياسة الدولية الراهنة، فالدول الصاعدة لا تريد اختيار معسكر نهائي، بل الاحتفاظ بأكبر قدر من حرية الحركة بين مراكز القوة.

"بريكس".. ليست نظاما بديلا لكنها أداة لإعادة التشكيل

ومن الخطأ التعامل مع "بريكس" باعتبارها نظاما دوليا بديلا، فهي تفتقر إلى سوق موحدة وعملة مشتركة ونظام مالي متكامل. لكن الخطأ المقابل هو التقليل من شأنها؛ فالمسار الأكثر احتمالا ليس إسقاط النظام القائم، بل إعادة تشكيله تدريجيا، عبر بناء بدائل جزئية في المدفوعات والتمويل والتجارة والطاقة وسلاسل الإمداد.

وهذه البدائل حتى لو لم تُنهِ الدور المركزي للمؤسسات الغربية تقلل من قدرة أي طرف منفرد على استخدام الاعتماد الاقتصادي كسلاح سياسي.

وما يجعل اللحظة الراهنة شديدة الخطورة ليس وجود حرب واحدة، بل تزامن عدة أزمات: الحرب الروسية–الأوكرانية تؤثر في الطاقة والغذاء، والحرب في الشرق الأوسط تضغط على النفط والملاحة، والتوتر حول إيران يهدد أهم ممرات الطاقة، واضطراب البحر الأحمر يرفع تكاليف النقل والتأمين، بينما يعيد التنافس الأمريكي–الصيني تشكيل التكنولوجيا وسلاسل الإنتاج.

فمفهوم "الأزمة الإقليمية" لم يعد كافيا. ما يحدث في مضيق هرمز قد يظهر أثره في أسعار الوقود في آسيا وأوروبا، وما يحدث في البحر الأحمر قد ينعكس على تكلفة السلع في الأسواق الأوروبية. العالم يدخل "مرحلة الأزمات المتزامنة".

من يملك الطاقة والممرات يصوغ القواعد

لم تعد القوة في النظام الدولي تقاس فقط بحجم القوات المسلحة، بل أصبحت مزيجا من القوة العسكرية والاقتصادية والطاقة والتكنولوجيا والتمويل والموانئ والممرات البحرية وسلاسل الإمداد، ويمكن لسلسلة واحدة من الأحداث الجيوسياسية أن تنتقل من ساحة الحرب إلى الأسواق المالية ثم إلى الاقتصاد الحقيقي.

ومن المؤكد أن "بريكس" لن تتحول قريبا إلى حلف سياسي موحد ولن تحل محل النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، لكنها تستطيع أن تصبح إحدى أهم القوى التي تدفع هذا النظام نحو تعدد أكبر في مراكز القوة. السؤال الأهم: هل تستطيع "بريكس" أن تجعل العالم أقل اعتمادا على مركز قوة واحد؟