الوطن

أحزاب سياسية "كبيرة" تدخل رحلة البحث عن الكفاءات

وجّهت عدة تشكيلات سياسية دعوات، على لسان قياداتها ومنخرطيها، للراغبين في الترشح للمجالس المنتخبة.

  • 90
  • 3:58 دقيقة
الصورة: حمزة كالي "الخبر"
الصورة: حمزة كالي "الخبر"

تخوض التشكيلات السياسية "منافسة في الظل" لاستقطاب كفاءات خارج أوعيتها النضالية، بحثا عن "بروفايلات" خالية تماما من أي شائبة أو شبهة قد تلتقطها "أعين الرقابة" أو تثير تحفظات السلطة المستقلة.
وجّهت عدة تشكيلات سياسية دعوات، على لسان قياداتها ومنخرطيها، للراغبين في الترشح للمجالس المنتخبة. ولا يتعلق الأمر بأحزاب محدودة الانتشار جغرافيا، بل يشمل حتى "أكبر" الأحزاب، على غرار جبهة التحرير الوطني التي نشر بعض منخرطيها على مستوى المحافظات المحلية دعوات عبر مواقع التواصل لاستقطاب راغبين في الترشح، من بينها دعوة نشرتها محافظة سيدي بوبكر في سعيدة على صفحة فيسبوك. كما دعا المجلس العادي للحزب قبل أسابيع جميع مناضلي "الأفالان" إلى الانخراط بقوة وفورا في عملية التحضير للاستحقاق الانتخابي، كما وجه الحزب نداء إلى الكفاءات الوطنية النزيهة من أجل الترشح ضمن قوائمه على مستوى الولايات والبلديات، في خطوة تستهدف توسيع دائرة المترشحين وعدم حصر عملية إعداد القوائم في المناضلين التقليديين فقط.
من جهتها أعلنت جبهة العدالة والتنمية، قبل استدعاء الهيئة الناخبة، عن فتح باب الترشح للانتخابات المحلية، داعية الراغبين في تقديم طلبات ترشحهم إلى ملء استمارة إلكترونية خصصت لهذا الغرض.

التمثيل الإقليمي


وتوضح هذه الاستعدادات انتقال الأحزاب من مرحلة الترتيب الداخلي إلى مرحلة البحث عن الموارد البشرية القادرة على خوض المنافسة الانتخابية، خصوصا بالنسبة للتشكيلات التي تحتاج إلى توسيع انتشارها المحلي وبناء حضور لها في عدد أكبر من المجالس المنتخبة.
ويشكل التقسيم الإداري الجديد الذي أُجري في أفريل 2026 تحديا للأحزاب السياسية، حيث ارتفع عدد الولايات إلى 69 ولاية و1541 بلدية، وارتفع عدد المقاعد في المجالس الولائية من 2004 إلى 2855، أي بـ851 مقعدا، كما استفادت المقاطعات الإدارية التي تم ترقيتها إلى ولايات في آخر تعديل للتقسيم الإداري من 1748 مقعدا في المجالس البلدية.
وبشكل عام، تضع طبيعة الاستحقاق المحلي الأحزاب أمام تحد مختلف عن الانتخابات التشريعية، باعتبار أن المنافسة على مستوى البلديات والولايات تتطلب انتشارا تنظيميا وميدانيا واسعا وقدرة على تشكيل قوائم تغطي أكبر عدد ممكن من الدوائر الانتخابية.
ووفق نص المادة 176 من القانون العضوي للانتخابات، فإنه يجب أن تتضمن قائمة المترشحين للمجالس الشعبية الولائية والبلدية عددا من المترشحين يزيد عن عدد المقاعد المطلوب شغلها بسبعة في الدوائر الانتخابية التي يكون عدد مقاعدها فرديا وستة في الدوائر الانتخابية التي يكون عدد مقاعدها زوجيا. ويتعين على القوائم المقدمة للانتخابات، تحت طائلة رفض القائمة، مراعاة أن تتضمن القائمة ثلث المترشحين من النساء وأن تُخصص، على الأقل، نصف الترشيحات للأشخاص الذين لا تتجاوز أعمارهم أربعين سنة كاملة يوم الاقتراع وأن يكون لثلث مترشحي القائمة على الأقل مستوى تعليمي جامعي. غير أن شرط الثلث فيما يخص تمثيل النساء المذكور أعلاه لا يطبق سوى في البلديات التي يزيد عدد سكانها عن عشرين ألف نسمة.

هاجس المادة 200


وفيما يتعلق بالمترشح، يُشترط حسب المادة 184 ألا يكون محكوما عليه نهائيا بعقوبة سالبة للحرية لارتكاب جناية أو جنحة ولم يُرد اعتباره، باستثناء الجنح غير العمدية، وأن يثبت وضعيته تجاه الإدارة الضريبية، سواء من خلال تسديد المبالغ الضريبية المستحقة بصفة نهائية أو عن طريق الجدولة، أو من خلال إثبات عدم الخضوع للضريبة. والشرط الأهم، ألا يكون معروفا لدى العامة بصلته مع أوساط المال والأعمال المشبوهة وتأثيره بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على الاختيار الحر للناخبين وحسن سير العملية الانتخابية.
وهناك مخاوف بارزة لدى الأحزاب السياسية من هذه الفقرة التي تتطابق مع الفقرة الأخيرة من المادة 200 من قانون الانتخابات التي تضم شروط الترشح، وترتبط المخاوف بكون هذه الفقرة كانت قد تصدرت أسباب رفض ملفات مترشحين في الانتخابات التشريعية الأخيرة. ويرى معارضو النص أن المادة تعاني من غموض تشريعي، ما يجعلها عرضة للاستغلال في سياقات وتأويلات متباينة. كما يرى منتقدو هذه المادة أن صياغتها الفضفاضة تنعكس على مبدأ تكافؤ الفرص.
بالمقابل، تؤكد السلطات العمومية أن جميع الإجراءات المتخذة في إطار دراسة ملفات الترشح تندرج ضمن هدف "تطهير الحياة السياسية" ومنع المال الفاسد من التأثير على مسار العملية الانتخابية، بما يضمن "تعزيز نزاهة التنافس الانتخابي وإعادة الثقة في المؤسسات التمثيلية".
ومن أبرز التحديات التي سيفرضها هذا الشرط القانوني توجه الأحزاب السياسية لاتخاذ احتياطاتها لتعويض ملفات الراغبين في الترشح التي قد تُرفض، كما أنه على مستوى المترشحين السابقين، خلفت تجربة الانتخابات السابقة حالة من اليأس لدى بعض الراغبين في الترشح الذين رُفضت ملفاتهم ولدى بعض المترشحين الذين لم ينجحوا في السباق، ما دفع عددا منهم لتفادي تكرار التجربة، في حين يتخوف مناضلو بعض الأحزاب السياسية الذين لم يسبق لهم الترشح من تبعات الإقصاء بمبرر العلاقة بالمال الفاسد والأوساط المشبوهة، وهو ما منع بعضهم من خوض تجربة الترشح.
بالمقابل، يصر آخرون على ضرورة الترشح والمشاركة السياسية مهما كانت الظروف. وفي هذا السياق قال المنتخب عن حزب جبهة المستقبل، عبد الرزاق خالد، إنه يترشح مرة أخرى لأنه مازال يؤمن، بعد عهدتين في بلدية بالعاصمة، بأن ترك الميدان أسهل من محاولة تغييره، كما قال لـ"الخبر" إنه رأى عن قرب صعوبة التسيير وبطء بعض الإجراءات وتداخل المسؤوليات وأدرك أن إصلاح الجماعات المحلية يحتاج قبل كل شيء إلى الكفاءة وإلى رجال ونساء يؤمنون بالعمل ويصبرون على نتائجه، مستدركا: "لذلك، ورغم ما قد يدفع الإنسان إلى الابتعاد، اخترت أن أواصل، ليس لأنني أعتقد أنني أملك كل الحلول وإنما لأنني أؤمن بأن التغيير الحقيقي يبدأ حين نقرر ألا ننسحب عند أول صعوبة".