الوطن

التشريعيات: خبراء يقدمون قراءة أولية للنتائج المؤقتة

أجمعوا على أن انخفاض نسبة المشاركة لا يلغي سلامة المسار الانتخابي.

  • 362
  • 3:58 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

تباينت قراءات أساتذة العلوم السياسية لنتائج الانتخابات التشريعية، بين التركيز على الجوانب القانونية والمؤسساتية التي حكمت سير العملية الانتخابية، وتحليل دلالات نسبة المشاركة التي لم تتجاوز 21.24 بالمائة، إلى جانب استشراف شكل البرلمان المقبل والعلاقة المنتظرة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. وأجمع المتدخلون على أن انخفاض نسبة المشاركة لا يلغي سلامة المسار الانتخابي، لكنه يطرح في المقابل تساؤلات حول أسباب العزوف الانتخابي ومستقبل الفعل السياسي والحزبي في الجزائر.
وقال أستاذ العلوم السياسية، الدكتور قوي بوحنية، إنه لا ينبغي الخلط بين نجاح العملية الانتخابية ومستوى المشاركة الشعبية، لأن لكل منهما معاييره الخاصة، موضحا أن نجاح الانتخابات يقاس باحترام الدستور والقانون وتوفير الضمانات التنظيمية واللوجستية والتقنية التي تكفل نزاهة الاقتراع وشفافيته، إلى جانب ضمان تكافؤ الفرص بين المترشحين وسلامة مختلف مراحل العملية الانتخابية.

وأوضح أن الدولة وفرت، من خلال المنظومة القانونية والمؤسساتية، وخاصة السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، الشروط التنظيمية والإدارية التي مكنت المواطنين من ممارسة حقهم الانتخابي في ظروف عادية، مؤكدا أن تقييم سلامة العملية الانتخابية يبقى مستقلا عن تقييم نسبة المشاركة.
وأضاف أن نسبة المشاركة ليست معيارا قانونيا للحكم على نجاح الانتخابات أو فشلها، وإنما تعد مؤشرا سياسيا وسوسيولوجيا يعكس مستوى التفاعل المجتمعي مع الاستحقاق الانتخابي ودرجة الثقة في الفاعلين السياسيين، ومدى قدرة الأحزاب والقوائم المترشحة على تعبئة الهيئة الناخبة.

وأشار إلى أن نسبة مشاركة في حدود 21 بالمائة تكشف انتقال جزء معتبر من ظاهرة العزوف الانتخابي إلى مستوى أقرب إلى المقاطعة السياسية، موضحا أن العزوف يرتبط غالبا باللامبالاة، بينما تعبر المقاطعة عن موقف إرادي ناتج عن الاحتجاج أو فقدان الثقة أو عدم الاقتناع بقدرة الانتخابات على إحداث التغيير.

وأكد بوحنية أن هذه النسبة لا ينبغي تفسيرها باعتبارها مؤشرا على ضعف سلامة العملية الانتخابية، بل باعتبارها رسالة سياسية واجتماعية تستوجب تحليلا معمقا لأسباب تراجع المشاركة والتحولات التي يشهدها السلوك الانتخابي.
كما أوضح أن تطبيق أحكام المادة 200 من القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات أثر في تشكيل المشهد التنافسي، بعدما أدى إلى إقصاء عدد من ملفات الترشح التي لم تستوف الشروط القانونية، وهو ما جسد مبدأ سيادة القانون، لكنه أفرز في بعض الدوائر آثارا سياسية تمثلت في غياب شخصيات ذات حضور انتخابي وقواعد دعم محلية، الأمر الذي انعكس على مستوى التنافس والحركية الانتخابية.
وأضاف أن اتساع دائرة المنافسة يرفع من فرص المشاركة، بينما يؤدي تراجعها إلى انخفاض الحافز الانتخابي لدى جزء من المواطنين، لافتا إلى أن ضعف أداء الأحزاب في وظائفها التمثيلية والتعبوية، وتراجع حضورها الميداني، ومحدودية قدرتها على تجديد نخبها وخطابها، فضلا عن تشابه البرامج الانتخابية، كلها عوامل أسهمت في تقليص نسبة المشاركة، خاصة لدى فئة الشباب.
وأكد أن انخفاض المشاركة لا يمكن تفسيره باعتباره رفضا جماعيا للبرلمان أو للنظام الدستوري، لأن دوافع عدم المشاركة متعددة، تتراوح بين اللامبالاة والاحتجاج والظروف الشخصية وعدم الاقتناع بالعروض السياسية.
وأشار إلى أن التجارب الديمقراطية المقارنة تثبت أن البرلمانات المنتخبة بنسبة مشاركة منخفضة تستطيع تعزيز مكانتها إذا نجحت في أداء وظائفها الدستورية، بينما قد تفقد برلمانات أخرى انتخبت بنسب مرتفعة رصيدها السياسي إذا أخفقت في تلبية تطلعات المواطنين.
وأضاف أن التشدد في تطبيق شروط الترشح أعاد رسم قواعد المنافسة بعد استبعاد عدد من الشخصيات المحلية المؤثرة انتخابيا، كما تأثرت القوائم المستقلة بتراجع رصيدها السياسي والاجتماعي، في وقت حافظت فيه الأحزاب الكبرى على جزء معتبر من قواعدها الانتخابية بفضل هياكلها التنظيمية.

تعاون بين الحكومة و البرلمان

وفيما يتعلق بمرحلة ما بعد الانتخابات، توقّع بوحنية أن تتجه العلاقة بين الحكومة والبرلمان نحو مزيد من التعاون، مع استمرار البرلمان في ممارسة صلاحياته الدستورية، مشيرا إلى أن انخفاض نسبة المشاركة يضاعف مسؤولية المؤسستين في تحقيق نتائج ملموسة تعزز ثقة المواطنين، مؤكدا أن شرعية الأداء والإنجاز تبقى العامل الحاسم في تقييم مؤسسات الدولة.

من جهته، قال الأستاذ حكيم بوغرارة في اتصال مع "الخبر"، إن النتائج الأولية للانتخابات أظهرت تصدر أحزاب الموالاة، أو ما يعرف بالتحالف الرئاسي، للمشهد السياسي، بما قد يمنحها أغلبية شبه نسبية داخل المجلس الشعبي الوطني، وهو ما يرجح، حسب تقديره، استمرار تعيين وزير أول لقيادة الحكومة وفق أحكام الدستور.
وأشار إلى أن البرلمان سيعرف في المقابل عودة المعارضة، على الأقل من خلال جبهة القوى الاشتراكية التي تبدو قريبة من تشكيل مجموعة برلمانية، معتبرا أن ذلك قد ينعش النقاش السياسي داخل البرلمان، خاصة خلال مناقشة مشاريع القوانين.

وأوضح أن النتائج كانت متوقعة في ظل نسبة المشاركة التي بلغت 21.24 بالمائة، والتي سمحت للأحزاب التقليدية، التي تحافظ على قواعدها الانتخابية، بتحقيق نتائج متقدمة، على غرار جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وحركة مجتمع السلم، إلى جانب عودة حركة البناء الوطني، وتقدم جبهة المستقبل.

وختم بوغرارة بالتأكيد على أن هذه الانتخابات لم تحمل مفاجآت كبيرة، وهو ما سيسهم، بحسبه، في تكريس قدر من الاستقرار السياسي ويمنح السلطة التنفيذية هامشا أوسع للعمل، خاصة في ظل غياب أغلبية برلمانية معارضة تفرض دستوريا تعيين رئيس حكومة من المعارضة.
بدوره، اعتبر أستاذ العلوم السياسية، عمار صيغة، أن الانتخابات التشريعية الأخيرة تشكل فرصة لفهم طبيعة الممارسة السياسية واستشراف ملامح البرلمان خلال العهدة الممتدة إلى غاية سنة 2031.

وأوضح في اتصال مع "الخبر" أن أبرز ما أفرزته الانتخابات هو استمرار معضلة العزوف الانتخابي، في ظل نسبة مشاركة بلغت 21.24 بالمائة، معتبرا أنها قد تكون الأدنى في تاريخ الانتخابات التشريعية الجزائرية وتعكس استمرار ضعف الثقة في العملية الانتخابية.