الوطن

الجزائر ورقة مهمة لإعادة إطلاق الحوار في مالي

بعد عودة التقارب مع حكومة بماكو وإفراج المعارضة المسلحة عن 82 عسكريا.

  • 337
  • 4:07 دقيقة
ح.م
ح.م

أعلن الجيش المالي الإفراج عن 82 عسكريا كانوا محتجزين لدى المعارضة المسلحة منذ الهجمات التي شهدتها البلاد في 25 أفريل 2026، في خطوة تطرح تساؤلات حول فرضية عودة الأطراف المتصارعة إلى المسار السلمي السياسي لحل الأزمة الأمنية وإمكانية إنعاش اتفاق السلم والمصالحة الموقع بينها سنة 2015.

وأكدت جبهة تحرير أزواد بدورها تحرير المحتجزين، حيث قال المتحدث باسمها، محمد المولود رمضان، إن الإفراج عن نحو 80 جنديا تم لدواع إنسانية، ولكن هذه العمليات تفترض وجود حد أدنى من قنوات الاتصال أو وسطاء أو ترتيبات تسمح بالتفاوض حول مصير المحتجزين ومن هنا تبرز أهميتها سياسيا لأنها تفتح نافذة محدودة يمكن أن تسمح بإعادة بناء الثقة بين الطرفين، وهي الحلقة المفقودة منذ انهيار مسار الحوار.

في هذه المرحلة تبرز الجزائر باعتبارها الطرف الأكثر ارتباطا تاريخيا بملف التسوية المالية، فاتفاق السلم والمصالحة في مالي المنبثق عن مسار الجزائر سنة 2015 لم يكن مجرد اتفاق ثنائي بين الحكومة المالية والحركات المسلحة، وإنما جاء نتيجة مسار تفاوضي قادته الجزائر وشارك فيه عدد من الأطراف المالية والإقليمية والدولية، وكان الهدف منه معالجة جذور الأزمة في شمال مالي عبر ترتيبات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية. وعليه، فإن أي تفكير في إعادة إطلاق مسار سياسي جديد سيصطدم عاجلا أم آجلا بمسألة المرجعية التي يمكن أن يستند إليها ما تجاوز الاتفاق 2015 نهائيا وبناء إطار جديد أم يتم استلهام مبادئه الأساسية ضمن اتفاق جديد يأخذ في الاعتبار التطورات التي شهدتها مالي منذ توقيعه.

ويشار أن هذه التطورات تأتي تزامنا مع تطبيع العلاقات بين الجزائر والحكومة المركزية في باماكو، فبعد فترة طويلة من التوتر بدأت العلاقات خلال الأسابيع الأخيرة تشهد مؤشرات على خفض التصعيد وكان الخلاف قد بلغ ذروته بعد حادثة إسقاط طائرة مسيرة مالية داخل المجال الجوي الوطني في أفريل 2025، وما أعقبها من تبادل للاتهامات واستدعاء السفراء للتشاور، قبل أن يعلن البلدان في 10 جويلية 2026 عودة سفيريهما إلى الجزائر وباماكو، في خطوة اعتبرت مؤشرا على بدء مسار تطبيع تدريجي للعلاقات.

ثم جاء تصريح رئيس الوزراء المالي، عبد الله مايغا، ليعطي لهذا المسار بعدا سياسيا أوضح، عندما أكد أن لا قطيعة دبلوماسية بين مالي والجزائر، ووصف العلاقات بين البلدين بأنها تاريخية واستراتيجية قبل أن يجرى اتصالا هاتفيا مع الوزير الأول سيفي غريب لبحث عمليات التعاون التنائي.

ولا يمكن فصل هذه التصريحات عن المصالح الجيوسياسية والأمنية التي تجمع البلدين. فالجزائر ومالي تتقاسمان حدودا تتجاوز 1300 كيلومتر، وأي اضطراب أمني في شمال مالي يملك تداعيات مباشرة على الأمن الجزائري، كما أن عدم الاستقرار في منطقة الساحل ينعكس على حركة الجماعات المسلحة والجريمة المنظمة والهجرة وشبكات التهريب.

وفي المقابل تحتاج مالي إلى علاقات مستقرة مع جار بحجم الجزائر، ليس فقط بحكم الجغرافيا، وإنما أيضا بالنظر إلى الوزن السياسي والأمني والدبلوماسي الذي تتمتع به الجزائر في منطقة الساحل وتجاربها السابقة في دعم استقرار دول الجوار.

ويأتي التقارب الجزائري المالي في وقت تواجه فيه باماكو تحديات أمنية واقتصادية وسياسية متزايدة، فالهجمات التي استهدفت مواقع داخل مالي ووصلت تداعياتها إلى العاصمة باماكو، إلى جانب تصاعد نشاط الجماعات المسلحة في الشمال، أعادت إلى الواجهة حدود قدرة المقاربة الأمنية والعسكرية وحدها على احتواء الأزمة.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة عودة العلاقات مع الجزائر باعتبارها جزء من إعادة ترتيب باماكو لحساباتها الإقليمية وليس بالضرورة تراجعا عن خياراتها السابقة في بناء تحالفات جديدة. فالسلطات المالية قد تكون أدركت أن تنويع الشراكات الخارجية لا يلغي الحاجة إلى الحفاظ على علاقات مستقرة مع الجوار المباشر، وأن التعامل مع الملف الأمني في الشمال بمعزل عن دول الجوار وفي مقدمتها الجزائر، يظل أمرا بالغ الصعوبة.

في المقابل، حافظت الجزائر، رغم الخلاف، على خطاب سياسي أبقى الباب مفتوحا أمام عودة الحوار، وشدد الرئيس عبد المجيد تبون في تصريحات سابقة على عمق العلاقة التاريخية بين الشعبين الجزائري والمالي. ورغم ذلك ليس من الواضح إذا ما كانت بماكو ستقبل مجددا بدور جزائري في تسوية الأزمة الداخلية، إذ أن عودة السفراء تمثل خطوة دبلوماسية، لكن الانتقال من التطبيع الدبلوماسي إلى الوساطة السياسية يحتاج إلى توافق حول طبيعة الأزمة نفسها، وحول الأطراف التي يمكن أن تشارك في الحوار، وحول مصير الترتيبات التي نص عليها اتفاق 2015. كما أن التطورات الميدانية منذ 2015 جعلت إعادة إنتاج الاتفاق بصيغته القديمة أمرا صعبا، فقد تغيرت موازين القوى وتبدلت طبيعة الجماعات المسلحة، كما ظهرت تحالفات وتنظيمات جديدة، في حين أصبحت السلطات المالية أكثر تشددا في رفض أي صيغة ترى أنها تمس سيادة الدولة أو تعيد إنتاج ترتيبات اعتبرتها في مرحلة لاحقة غير قابلة للتنفيذ.

ومن جانب آخر، سعت عدة قوى أجنبية دولية وإقليمية لتوتير العلاقة بين الجزائر ومالي وتسويد سمعة الجزائر مقابل العمل على محاولة تنفيذ أجندات خبيثة، كما أنه من المبكر أيضا اعتبار الإفراج عن العسكريين مقدمة مؤكدة لقبول مفاوضات سياسية إلا في حال تمكنت الأطراف المتصارعة من تحويل هذا التواصل إلى إجراءات أخرى تشكل تدريجيا أرضية لعودة الحوار السياسي.

وتملك الجزائر في هذه المعادلة نقطة قوة أساسية تتمثل في علاقاتها التاريخية مع مختلف الأطراف المالية، وفي مقدمتها مكونات الشمال، وفي الوقت نفسه احتفاظها بعلاقة دولة مع السلطة المركزية في باماكو، هذه المعادلة تمنحها، نظريا، قدرة على لعب دور الوسيط لا يتوفر بسهولة لعدد كبير من الأطراف الأخرى لكن نجاح أي وساطة جزائرية جديدة لن يتوقف على رغبة الجزائر وحدها وإنما يحتاج إلى طلب أو قبول من باماكو، واستعداد من الحركات الأزوادية للعودة إلى التفاوض وقبول بقية مكونات المعارضة المالية بالانخراط في مسار سياسي جامع.