الوطن

حين تتحول "الضجة" إلى وظيفة..

اللوبي الصهيوني لـ"نصرة" الهارب أيوب عيسيو.

  • 1072
  • 4:23 دقيقة
ح.م
ح.م

مرة أخرى، يعود المدعو بوعلام صنصال، ومعه هذه المرة أسماء تحلب في إناء بني صهيون، تدّعي أنها فئة "مثقفة"، إلى الواجهة من البوابة الفرنسية، وهذه المرة للتدخل في قضية رجل الأعمال الجزائري الفار من العدالة الجزائرية، المدعو أيوب عيسيو، الموقوف في إسبانيا بناء على مذكرة توقيف وطلب تسليم صادرين عن الجزائر، بناء على حكم قضائي سيّد من القضاء الجزائري السيّد.

فبأي منطق يفكر هؤلاء؟ وكيف "يدافع" و"يناصر" و"يتضامن" من يدّعون أنهم "مثقفون" و"سياسيون" و"نخبة" على ومع رجل أعمال "فاسد"، زوّر ونهب مال الشعب الجزائري. فقد ظهر اسم المدعو صنصال ضمن قائمة موقعي رسالة مفتوحة (عريضة) نشرت في فرنسا يوم 21 أوت، وُجّهت إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، تطالب بالتدخل لمنع تسليم المدعو عيسيو إلى الجزائر وإطلاق سراحه.

السر لم يعد مستورا

قبل الاسترسال في الحديث عن "حراك" المدعو صنصال ومن معه من الموقعين على الرسالة المفتوحة تلك، وجبت الإشارة إلى بعض "نقاط الظل" يصر الموقعون على إخفائها عن الرأي العام.

ما كان مخفيا ومطمورا بات الآن "سرا مكشوفا"، أيوب عيسيو، الذي سرق الدولة الجزائرية ومواطنين جزائريين شرفاء واستباح المال العام، والذي أُلقي عليه القبض في إسبانيا قادما من المغرب، تربطه علاقات "وطيدة" بالمخزن وإسرائيل، أضحت الآن معروفة للجميع، بدليل هوية الأسماء التي وقعت على الرسالة المفتوحة، وأكثر من ذلك فقد أقام عيسيو هذا في إسرائيل مرات.

المتمعن والباحث في الرسالة تلك، وهي عريضة موقعة من أشخاص ينتمون جميعا إلى اللوبي الصهيوني، يكتشف أن بعض الموقعين عليها يقضون وقتهم في القنوات الفرنسية، ولاسيما "سي نيوز"، لمهاجمة إسبانيا ورئيس حكومتها بسبب مواقفهما الشجاعة بشأن الإبادة الجماعية في غزة.

هؤلاء الموقعون، وهم "مثقفون" صهاينة، يطالبون رئيس حكومة يهاجمونه هم أنفسهم بعنف نادر على منصات القنوات التلفزيونية المؤيدة للصهيونية، والتي يستمتع مقدموها بليالي مراكش الحارة، بالإفراج عن "قاطع طريق" يمارس غسل وتبييض الأموال وابتزاز الأموال وتمويل عمليات تخريبية تدعو إلى العنف والكراهية. وهذا يفسر طبيعة قائمة الموقعين. فالرسالة صدرت عن "عدد" من الشخصيات "الفكرية والثقافية والسياسية الفرنسية"، بينهم أسماء معروفة مثل الفيلسوف دانيال سلفادور شيفر برنار كوشنير وباسكال بروكنر وآرنوكلارسفيلد وإيريك نولو، إلى جانب صنصال وآخرين.

إذا عرف السبب بطل العجب

وبالعودة إلى شخص المتضامن معه، أيوب عيسيو، واحتراما لمبدأ سرية التحقيقات وعدم التدخل في مجريات التحقيقات الأمنية والقضائية في الجزائر، فوجب الاكتفاء ببعض المعلومات التي تؤكد أن المعني "متخصص" في تبييض وغسل الأموال. وبالمناسبة، تم تفكيك شبكة لغسل الأموال وتمويل الهجرة غير الشرعية في مرسيليا، حيث عثرت المصالح الفرنسية على مليوني يورو نقدا لدى أحد أقرب معاونيه، وهو أيضا مطلوب من طرف العدالة الجزائرية. وبعد هذه المداهمة، غادر الطيب عيسيو فرنسا فورا متوجها إلى دبي (الطرف الثالث في محور الشر الذي يستهدف الجزائر).

معلومة أخرى موثّقة، وهي أنه بعد فراره إلى فرنسا في 3 أفريل 2019، تمكن أيوب عيسيو من نسج شبكة نفوذ مهمة في فرنسا وسويسرا، تمتد من عصابات الضواحي الباريسية إلى اللوبيات الصهيونية، مرورا، بطبيعة الحال، بعملاء المخزن المغربي الذين قاموا بتجنيده رسميا من أجل محاولة زعزعة استقرار الجزائر ومؤسساتها.

بدأ أيوب عيسيو في السفر بشكل متكرر إلى المغرب منذ العام 2014، لكن وتيرة سفره تسارعت منذ عام 2019، حيث كان يذهب إلى "المملكة" مرة واحدة على الأقل كل شهر، علاوة على اللقاءات الأولى مع عملاء المخزن في باريس سنة 2019.

وشهد شاهد من أهله

وفي عام 2022، قام أيوب عيسيو بأول رحلة له إلى إسرائيل. ومنذ ذلك الحين، سافر إلى تل أبيب ثلاث مرات على الأقل، حسب إخوته والمقربين منه. ويمكن لرجلين، صديقا طفولة أيوب، كانا يعملان حارسين شخصيين له، أن يشهدا على تنقلات هذا الأخير إلى المغرب وأوروبا وإسرائيل.

وقد تمكن وسيط آخر من تقريب أيوب عيسيو من عملاء المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسية (DGSE)، الذي لا يتوقف عن الدفاع عن قضيته لدى اللوبيات الصهيونية الفرنسية، المدعو محمد سيفاوي، الذي يرتبط به منذ عام 2023.

إلى ذلك فإن اللافت في الخطوة، ليس تضامن صنصال ومن معه مع عيسيو، بل الجهة التي اختاروا أن يخاطبوها، إيمانويل ماكرون.

القضية، من الناحية الشكلية، تخص رجلا أوقف على الأراضي الإسبانية، بناء على طلب تقدمت به السلطات الجزائرية، ويُفترض أن تفصل فيها الجهات القضائية الإسبانية وفق القواعد الخاصة بالتسليم. عيسيو موجود رهن الحبس الاحتياطي في إسبانيا منذ 25 جويلية، فيما تواصل السلطات القضائية هناك دراسة طلب الجزائر.

إذن، لماذا إدخال قصر الإليزيه في القضية؟ هنا تكمن دلالة تحرك المدعو "صنصال" ومن يسبح في فلكه.

الرسالة المفتوحة لا تكتفي بمناشدة القضاء الإسباني، فهي "تطلب" من ماكرون وسانشيز "التدخل" من أجل منع التسليم، وبهذا الشكل تسعى إلى وضع القضية في "دائرة سياسية" أوسع، عوض تركها محصورة في مسارها القضائي. وهنا جزئية تثير التساؤل: لماذا يحتاج ملف قضائي جزائري ـ إسباني إلى "وساطة" سياسية فرنسية؟

لا شك أن الموقعين على العريضة يسوقون موقفهم باعتباره "دفاعا عن حقوق الإنسان وحرية التعبير". فكيف "يدافع مثقفون" عن رجل أعمال فاسد، متهم بالتزوير واستعمال المزور وتبييض الأموال ضمن جماعة منظمة و.. و.. ؟ إلا إذا كان هؤلاء يدورون في نفس دائرة الفساد؟

لكن السؤال الآخر أيضا هو "لماذا ماكرون؟"

هذه هي النقطة التي تستحق التوقف أكثر من غيرها، فالمدعو صنصال يدرك جيدا قيمة مخاطبة الرئيس الفرنسي في ملف جزائري، فـ"قضيته" تحولت في وقت سابق إلى أحد أبرز ملفات التوتر بين الجزائر وفرنسا وأصبحت موضع تدخل سياسي وإعلامي واسع في فرنسا.

وها هو المدعو صنصال يعود إلى الواجهة الإعلامية ويظهر اسمه مجددا في قضية جزائرية، ولكن من موقع مختلف: التوقيع على نداء يطلب من رئيس فرنسا التدخل في ملف يخص جزائريا فاسدا متواجدا في إسبانيا، مطلوبا من القضاء الجزائري. وهنا يمكن قراءة الخطوة بوصفها "محاولة لإعادة إنتاج المعادلة نفسها".. كلما ظهر ملف حساس بين الجزائر وأوروبا، تصبح باريس، والرئاسة الفرنسية، عنوانا للتدخل.