الوطن

كيف غيّرت الجزائر خريطة التكفل بضحايا الحروق الكبرى؟

من التحويل إلى الخارج إلى شبكة مستشفيات وطنية.

  • 258
  • 5:00 دقيقة
ح.م
ح.م

قبل سنوات قليلة ماضية، كان ضحايا الحروق والحروق الكبرى يحوّلون إلى الخارج بحثا عن العلاج، غير أن السلطات العمومية اتجهت في السنوات الست الأخيرة إلى بناء قدرات وطنية متخصصة في هذا المجال، بعدما ظلت الحالات الأكثر تعقيدا، في مراحل سابقة، تواجه محدودية في إمكانيات التكفل، ما كان يدفع إلى تحويل بعضها إلى مؤسسات متخصصة خارج البلاد.

تحصي الجزائر، اليوم، مستشفيات كبرى مخصصة للحروق، أبرزها مستشفى الحروق الكبرى الدكتور سعيد شيبان بزرالدة ومستشفى الحروق الكبرى بوهران، إلى جانب مصالح متخصصة داخل مراكز استشفائية جامعية في عدد من الولايات، فيما يجري توسيع الخريطة من خلال مشاريع جديدة، بينها مستشفى الحروق المرتقب بتيارت ومشاريع أخرى في الجنوب (حاسي مسعود – ورڤلة) والشرق.

وأقرت وزارة الصحة، من خلال هذه المشاريع، إعادة النظر في الخريطة الصحية وتنظيم طريقة التكفل بالمصاب بالحروق، تبدأ باستقبال الحالات البسيطة والمتوسطة على مستوى محلي، ثم "تثبيت" الحالات الخطيرة في أقرب مؤسسة قادرة على ذلك، بعدها توجيه الحروق الكبرى والمعقدة إلى ما يسمى في مناجمت قطاع الصحة "المراكز المرجعية" التي تتوفر على الإنعاش والجراحة الترميمية والتجميلية والتجهيزات المتخصصة، كما هو حال مستشفيي زرالدة ووهران للحروق الكبرى.

قبل ظهور الجيل الجديد من مستشفيات الحروق، كانت الجزائر تتوفر بالفعل على خبرة ومصالح متخصصة، خصوصا في عدد من المراكز الجامعية بالعاصمة وقسنطينة وعنابة ووهران وسطيف، غير أن حجم الطلب والإمكانات المتاحة لم تكن تسمح دائما بالتكفل بكل الحالات الكبرى والمعقدة داخل الوطن.

وتشير معطيات وزارة الصحة إلى أن إنشاء مستشفى الحروق الكبرى بزرالدة جاء تحديدا لتعزيز قدرة البلاد على التكفل بالحالات الصعبة التي كانت تُنقل في السابق إلى الخارج. وهكذا أصبح إنشاء مراكز وطنية كبيرة للحروق جزءا من سياسة أوسع تستهدف تعزيز السيادة الصحية وتقليص الحاجة إلى تحويل المرضى إلى الخارج، خاصة عندما يتعلق الأمر بتخصصات دقيقة تتطلب تجهيزات وفرقا متعددة الاختصاصات.

وهران.. أول مركز كبير في الغرب

كان تدشين مستشفى الحروق الكبرى بوهران في جوان 2022 محطة أساسية في هذا المسار. وتضم المؤسسة، التي أنجزت بطاقة استيعاب بلغت 125 سريرا، مصلحة للحروق الكبرى وأخرى للجراحة التجميلية والترميمية للأطفال والكبار، إضافة إلى الإنعاش وجراحة الوجه والفك، كما أعطيت أهمية خاصة لسرعة نقل الحالات الطارئة، من خلال توجيهات لإنجاز مهبط للطائرات المروحية بالمستشفى.

وتم اختيار وهران استقبال هذا المشفى حتى يسمح باستقبال الحالات القادمة من ولايات الغرب والجنوب الغربي بدل توجيهها جميعا نحو العاصمة. وتبرز أهمية هذه الخطوة إذا ما استحضرنا واقع المنطقة قبل تشغيل المستشفى، إذ كانت الإمكانات المتخصصة محدودة، ما جعل الحالات الخطيرة تواجه مسافات طويلة للوصول إلى مراكز التكفل.

زرالدة.. المركز المرجعي للحروق الكبرى

بعد وهران، جاءت محطة أكثر أهمية في العاصمة مع دخول مستشفى الحروق الكبرى "الدكتور سعيد شيبان" بزرالدة الخدمة في جويلية 2023. وتبلغ طاقة المؤسسة نحو 140 سريرا، مع تجهيزات ومصالح متخصصة، من بينها 20 سريرا للتخدير والإنعاش و80 سريرا للجراحة التجميلية والترميمية للكبار و40 سريرا للجراحة التجميلية والترميمية للأطفال، ليصبح هذا المرفق العمومي أكبر مؤسسة متخصصة في الحروق على المستوى الوطني.

وأظهرت الأحداث الأخيرة أن مستشفى زرالدة لم يعد مجرد مشروع صحي جديد، بل حجر أساس من منظومة الاستجابة الوطنية للكوارث. ففي جولية 2026 الماضي استقبل المستشفى مصابين في حريق مؤسسة الطفولة المسعفة بالمحمدية.

وفي هذه الأيام الأخيرة، تكرر المشهد مع مصابي حرائق جيجل ومناطق أخرى متضررة، حيث جرى إجلاء مصابين إلى مستشفى الحروق الكبرى بزرالدة، وهنا تظهر الوظيفة الجديدة للمركز، إذ أن المصاب لا يبقى بالضرورة في الولاية التي وقعت فيها الكارثة إذا كانت إصابته تتطلب إمكانات لا تتوفر محليا؛ بل يُثبت وضعه الصحي أولا، ثم ينقل إلى "المركز المرجعي" المناسب.

إلى جانب المؤسستين المتخصصتين في زرالدة ووهران، توجد مصالح ووحدات متخصصة داخل عدد من المستشفيات الجامعية. وتعد عنابة من أهم أقطاب التكفل بالحروق في شرق البلاد، حيث توجد مصلحة للحروق بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد.

في أوت 2025، شهدت المصلحة إجراء 8 عمليات جراحية كبرى لتغطية الجلد لفائدة مرضى مصابين بحروق عميقة، بمشاركة أطباء من عنابة وباتنة، ضمن تعاون بين مصلحتي الحروق بالمركزين الجامعيين. وشملت العمليات كذلك الجراحة الترميمية لمعالجة التشوهات والندبات الناتجة عن الحروق.

باتنة.. قطب للشرق والهضاب العليا

يضم المركز الاستشفائي الجامعي بن فليس التهامي بباتنة أيضا خبرة متخصصة في الحروق والحروق الكبرى، وقد ظهر ذلك بوضوح في التعاون الطبي مع الزملاء في عنابة. وبالنسبة للمرضى في مناطق مثل بسكرة، فإن وجود مصلحة متخصصة بباتنة يمثل محطة مهمة قبل اللجوء إلى المركز الوطني الأكبر بزرالدة عندما تستدعي الحالة ذلك.

ففي بسكرة، على سبيل المثال، أشارت إدارة مستشفى بشير بن ناصر في 2026 إلى أن الولاية تفتقر إلى هذا النوع من التخصص وأن المرضى يُحوّلون عادة إلى مصلحة الحروق بالمستشفى الجامعي بباتنة أو إلى العاصمة.

وفي ناحية الشرق أيضا، توجد وحدة للحروق الكبرى بالمركز الاستشفائي الجامعي الدكتور ابن باديس بقسنطينة. وتشير دراسة جامعية حديثة إلى أن مصلحة الحروق الكبرى بقسنطينة تابعة لمصلحة الإنعاش وتتكفل بمرضى الحروق القادمين من ولايات الشرق والجنوب الشرقي، مع توفرها على تجهيزات خاصة وفريق يضم جراحي التجميل وأطباء الإنعاش والتخدير.

ومن أهم التحولات المسجلة في السنوات الأخيرة توسيع التكفل بالحروق نحو الجنوب. ففي ورڤلة، دخلت مصلحة متخصصة للحروق الخدمة في مستشفى الولاية خلال 2025، بطاقة تقارب 40 سريرا، مع قاعة عمليات وقاعات للإنعاش وطاقم يضم أطباء مختصين في الجراحة التجميلية والبلاستيكية والحروق وطبيبا مختصا في التخدير والإنعاش. ويكتسي هذا التطور أهمية خاصة بالنسبة لولايات الجنوب والجنوب الشرقي، لأن نقل المصاب لمسافات طويلة يمثل في حد ذاته تحديا طبيا ولوجستيا.

إلى ذلك، أعلنت وزارة الصحة في 2025 برمجة إنشاء مصلحة متخصصة في علاج الحروق ضمن مشروع المركز الاستشفائي الجامعي الجديد في بشار، على أن يتم، في انتظار إنجازها، دعم المؤسسة العمومية الاستشفائية ترابي بوجمعة بالوسائل والموارد البشرية اللازمة لإنشاء وحدة أو مصلحة متخصصة.

وفي سياق إعادة رسم الخريطة الصحية الوطنية تقرر استحداث مستشفيات جديدة متخصصة في الحروق الكبرى. ففي تيارت، أُدرج مشروع مستشفى متخصص في علاج الحروق الكبرى ضمن المشاريع الصحية المبرمجة، وقد اختيرت له أرضية إلى جانب عدد من المنشآت الصحية الجديدة، بما يسمح مستقبلا بإنشاء قطب استشفائي متكامل.

وتكتسب تيارت أهمية جغرافية، لأنها تقع في موقع يسمح بتعزيز التكفل بالحروق في منطقة واسعة من الغرب والهضاب العليا وتخفيف الضغط عن وهران والعاصمة.

أما في سكيكدة، فإن مشروع مستشفى الحروق في بلدية فلفلة يعود إلى سنوات، لكنه ظل يعرف تأخرا في الإنجاز. وقد أعلنت السلطات المحلية في 2024 أن نسبة الأشغال لم تتجاوز 45 بالمائة، مع المطالبة بتدخل وزاري لتسريع المشروع.

وهنا تبرز إحدى نقاط الضعف: القرار بإنشاء مرفق متخصص لا يعني بالضرورة دخوله الخدمة في الآجال المحددة.