الوطن

لماذا أقيل الوزراء المغادرون؟

ربط مراقبون سبب الإقالة بالعديد من الأحداث التي وقعت مؤخرا.

  • 7117
  • 3:16 دقيقة
الصورة: رئاسة الجمهورية
الصورة: رئاسة الجمهورية

بقدر ما أحدث التعديل الحكومي تساؤلات حول خلفيات التعيينات الجديدة، خاصة لوزارتي الفلاحة والاتصال، بقدر ما تشكلت العديد من الفرضيات والقراءات حول الوزراء المغادرين، والأسباب التي أدت إلى إنهاء مهاهم أو إعفائهم منها.

 كانت النقاشات في الأيام الأخيرة متركزة حول استقالة حكومة سيفي غريب عقب الانتخابات التشريعية وتشكيل حكومة جديدة عملا بأحكام الدستور التي تركت الأمر اختياريا وعرفيا وليس وجوبا، قبل أن يقرر رئيس الجمهورية أمس، إجراء تعديل حكومي لا يدري المراقبون إن كان مرتبطا بإفرازات التشريعيات وبالعرف السياسي، أم بناءً على اختلالات وقعت في القطاعات المعنية واستوجبت تغييرا فيها؟

أوقف القرار النقاش حول الحكومة الجديدة المرتقبة، وفتح مجال التحليل والافتراض بخصوص الأسباب التي جعلت الرئيس ينهي مهام وزراء محددين في الحكومة، وتفادي إجراء تعديل عميق مثلما كان منتظرا من قبل الأوساط السياسية.

 وربط مراقبون العديد من الأحداث التي وقعت مؤخرا بالوزراء المغادرين، وفي مقدمتهم وزير الفلاحة، وليد ياسين، الذي حظي بثقة رئيس الجمهورية، منذ مجيئه إلى الحكم أواخر 2019، بإسناد له عدة وزارات وأهمها الوزارة التي تعنى بالمؤسسات الناشئة، قبل أن يتم إقالته، أمس، وسط مؤشرات عديدة سبقت واستشرفت القرار وتعلقت بقضية الفساد التي ضربت المهمة التي أسندها له رئيس الجمهورية لاستيراد أضاحي العيد الماضي، بالإضافة إلى تواري الوزير الشاب عن الأنظار في المأساة التي لحقت بالجزائريين في ولاية جيجل الأسبوع الماضي.

 وتداولت أوساط مقربة من الحكومة منذ نحو شهرين، فرضيات تتنبأ بقرب إنهاء مهام وليد ياسين، على خلفية فضيحة استيراد الأضاحي التي كشفت عن تجاوزات خطيرة وعبثية بالمال العام، مستدلين ببيان النائب العام لدى مجلس قضاء العاصمة، الذي تضمن رسائل مشفرة حول إمكانية تمدد التحقيق القضائي إلى أعلى، بقوله إن "نبل المقاصد ومهما بلغ سموها، لا يمنح أي جهة، مهما كانت صفتها أو موقعها، حصانة ضد المساءلة".

ويرجح مراقبون أن بيان النائب العام حمل إشارات قوية بأن التجاوزات اتخذت أيضا شكلا عموديا، بما يفيد وجود شبهات في محيط كبار مسؤولي الوزارة، وعلى هذا الأساس أيضا جاءت بحسبهم الإقالة.

ومن المؤشرات التي صبت في تحديد وتكهن مصير ياسين وليد، عدم ظهوره ضمن الوفد الوزاري الذي توجه إلى ولاية جيجل الجريحة في أعقاب الحرائق المهولة، وتأخر تفاعله مع الأزمة لقرابة أسبوع كامل.

 ومع الوزير الشاب، برز أيضا ضمن الوزراء المغادرين، وزير الاتصال، زهير بوعمامة، الذي عمّر في عمارة حي الينابيع ذات الواجهة الزجاجية قرابة السنة، بعد أن شغل صفة مستشار مكلف بالشؤون السياسية والعلاقات مع الشباب والمجتمع المدني والأحزاب السياسية برئاسة الجمهورية، وقبلها من مجال التحليل السياسي في التلفزيونات والتدريس الجامعي.

 ولا توجد أسباب واضحة للرأي العام أدت إلى التخلي عن خدمات ومؤهلات بوعمامة، غير أن المتابعين للشأن الإعلامي اعتبروا أن عضو الحكومة السابق لم يقدم إضافة في القطاع منذ مجيئه للوزارة، ومعه رئيس ديوانه فاتح بومرجان الذي أنهيت مهامه مبكرا، في خطوة اعتبرت مؤشرا على التنحية في المستقبل القريب.

 كما قيّم أهل المهنة أداء الوزير بأنه محدود جدا ولم يتميز بقرارات أو خطط واضحة ومفيدة تنتشل أهل القطاع من وضعيتهم الاجتماعية والمهنية غير المستقرة.

 وأعابت أصوات من المهنة على الوزير عدم مسكه الجيد بخيوط المشهد الإعلامي ومؤسساته الحيوية التي لا تزال غائبة عن أرض الواقع وحتى عن الرؤية المستقبلية للوزارة، بالرغم من كفاءته في التحليل السياسي وقراءة المسائل السياسية.

 وشملت هذه التشخيصات السلبية، أيضا وزير العمل والضمان الاجتماعي، عبد الحق سايحي، على أساس أنه مسؤول يتمتع بخلفية إدارية بحتة جعلته يظهر محدودية في التعامل مع العديد من الملفات ذات الطابع السياسي.

 وفي هذا الصدد، انتقد الخبير في الشأن الاجتماعي والعمل، نور الدين بودربة، الوزير السابق عبد الحق سايحي لاتخاذه سلسلة من الإجراءات.

وقال بودربة في منشور على صفحته بفايسبوك، إن سايحي رفض الاستجابة لطلبات فتح النقاش حول رفع العقبات الكبرى التي تواجهها النقابات منذ صدور القانون رقم 23-02 المؤرخ في 25 أفريل 2025 المتعلق بالحق النقابي.

كما اتهم الخبير الوزير السابق بتضييع فرصة ثمينة لإحياء الحوار الاجتماعي في الجزائر، و"تجاهل مقترحات الاتحاد العام للعمال الجزائريين بتاريخ 24 ديسمبر 2025"، معتبرا بأنها مقترحات واقعية وبنّاءة تنطلق من روح وطنية، وكان يمكن أن تشكّل منطلقاً لتعزيز التماسك الاجتماعي وتقوية الجبهة الداخلية التي تحتاجها الجزائر بشدة.

 كل هذه المآخذ لاحقت الوزراء المغادرين وكانت محل تداول حتى قبل صدور قرار التنحية أو الإعفاء من المهام الحكومية، غير أن ذلك لا يجعلهم مدانين ومذنبين بصفة مطلقة.