الوطن

كيف تراكمت أسباب الأزمة بين الجزائر والإمارات؟

من الحراك إلى الساحل والمغرب.. وصولا إلى القطيعة.

  • 1469
  • 9:05 دقيقة
رئيس الجمهورية الجزائرية، عبد المجيد تبون (على اليسار) رفقة رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، محمد بن زايد, الصورة: ح.م.
رئيس الجمهورية الجزائرية، عبد المجيد تبون (على اليسار) رفقة رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، محمد بن زايد, الصورة: ح.م.

لم تصل العلاقات الجزائرية الإماراتية إلى القطيعة الدبلوماسية بشكل مفاجئ وإنما جاءت بعد سنوات من تراكم الخلافات السياسية والأمنية والإقليمية والاقتصادية، بدأت ملامحها تظهر بشكل أوضح منذ الحراك الشعبي في 2019، ثم انتقلت إلى ملفات ليبيا ومالي والنيجر والصحراء الغربية والتطبيع مع الكيان الصهيوني، قبل أن تتوسع إلى قضايا الاستثمار والتحكيم الدولي والإعلام والحرب الرقمية والهجينة.

 تعود إحدى أولى حلقات التوتر السياسي إلى فترة الحراك الشعبي الذي انطلق في فيفري 2019، عندما ظهرت في الجزائر تقارير واتهامات بشأن محاولات قوى خارجية التأثير في المشهد الداخلي. لكن التطور الأهم جاء لاحقا، عندما تحدث الرئيس عبد المجيد تبون، بشكل مباشر، عن تدخل دولة خليجية لم يسمها في الانتخابات الجزائرية، وقال إن هذه الدولة تدخلت في "الانتخابات الأولى ثم الثانية"، واصفا إياها بـ"دولة، أو بالأحرى شبه دولة، تتحرك بشكل مقلق"، في إشارة فهمت على نطاق واسع بأنها موجهة إلى أبو ظبي.

وتكمن أهمية تلك التصريحات في أنها نقلت الاتهامات من مستوى التقارير الإعلامية والتحليلات إلى مستوى التصريحات المباشرة لرئيس الجمهورية.

ليبيا.. أول اختبار إقليمي كبير

كان الملف الليبي من أبرز نقاط التباعد بين الجزائر وأبوظبي. فبعد اندلاع الاقتتال الداخلي هناك واقتراب الهجوم على طرابلس، دعمت الإمارات قوات خليفة حفتر، بينما تمسكت الجزائر بموقف يقوم على رفض الحل العسكري والدفع نحو تسوية سياسية ورفض المساس بطرابلس، جاء ذلك على لسان الرئيس تبون بالقول: "إن طرابلس خط أحمر"، في موقف عكس حساسية الجزائر تجاه أي تغيير عسكري في ليبيا يمكن أن ينعكس مباشرة على أمن حدودها. في المقابل، كان الدعم الإماراتي لحفتر جزءا من شبكة الدعم الخارجي التي ساعدت على استمرار النزاع والتوتر على الحدود الشرقية لبلادنا.

المبعوث الجزائري إلى ليبيا.. بن زايد يطل برأسه

في أفريل 2020، برز اسم وزير الخارجية الجزائري الأسبق رمطان لعمامرة مرشحا لمنصب المبعوث الأممي إلى ليبيا خلفا لغسان سلامة. وتحدثت تقارير صحفية في ذلك الوقت عن ضغوط إماراتية حالت دون تعيينه، كما ذكرت مصادر إعلامية أن أبو ظبي عملت على إفشال التعيين.

التطبيع مع إسرائيل والتحالف مع المغرب

شكلت سنة 2020 نقطة تحول إضافية. ففي ذلك العام وقعت الإمارات اتفاق تطبيع مع إسرائيل ضمن "اتفاقات أبراهام"، ثم أعلن المغرب في ديسمبر من السنة نفسها استئناف علاقاته مع إسرائيل.

رأس حربة التغلغل الصهيوني في القارة الإفريقية

بالنسبة إلى الجزائر، التي رفضت على لسان الرئيس تبون التطبيع مع إسرائيل وتمسكت بموقف داعم للقضية الفلسطينية، مثَل هذا التحول أحد عناصر التباعد الاستراتيجي مع أبو ظبي التي تحولت إلى رأس حربة للتغلغل الصهيوني في إفريقيا وفي غرب وجوار الجزائر، وذلك بالتزامن مع جهود قادة الجزائر وجنوب إفريقيا للتصدي لهذا التغلغل في الاتحاد الإفريقي.

وفي الفترة ذاتها زادت الحساسية عندما افتتحت الإمارات في 4 نوفمبر 2020 قنصلية عامة لها في مدينة العيون بالصحراء الغربية. ولم تكتف أبو ظبي بالخطوة، بل أعلنت رسميا دعمها للموقف المغربي بشأن السيادة على المنطقة

وبذلك أصبح الخلاف لا يتعلق فقط بالعلاقات الثنائية، بل بملفين تعتبرهما الجزائر من صميم أمنها القومي، القضية الفلسطينية وملف الصحراء الغربية.

الساحل.. اتساع رقعة العبث بأسوار الجزائر

مع انتقال مركز الثقل الأمني في شمال وغرب إفريقيا نحو منطقة الساحل، أصبحت مالي والنيجر وبوركينا فاسو وموريتانيا ساحات إضافية للعبث الإماراتي في هذه المنطقة التي تمثل عمقا أمنيا مباشرا للجزائر، ولذلك تعاملت مع أي توسع لقوى خارجية في المنطقة بحساسية كبيرة، سواء التدخل الإماراتي أو المرتزقة أو القوى الخارجية الأخرى.

ورغم التحذيرات التي جاءت على لسان القيادة السياسية للجزائر، وسعت الإمارات دورها في عدد من دول إفريقيا والساحل، قبل أن تتوسع التقارير الدولية حول التدخل الإماراتي في الصراعات الإقليمية.

مالي.. نقطة الانفجار في العمق الجزائري

خلال السنوات الأخيرة، تدهورت العلاقات الجزائرية المالية بشكل حاد في ظل خلافات حول اتفاق السلام والحركات المسلحة في شمال مالي والتطورات العسكرية والسياسية في باماكو.

ومع اتساع التناحر الدولي على مالي ومنطقة الساحل، ظهرت في وسائل الإعلام الجزائرية تقارير بوجود تنسيق بين قوى إقليمية تهدف إلى تقليص الدور الجزائري في المنطقة والتشويش على علاقاتها بجيرانها، وهو ما تجلى في سلسلة زيارات قادها دبلوماسيون إماراتيون إلى باماكو، أعقبتها التوترات التي اندلعت بين الجزائر وبين الحكومتين الانتقاليتين في كل من مالي والنيجر، قبل أن تتمكن الدبلوماسية الجزائرية في الفترة الأخيرة من قلب الطاولة على محور الرباط أبو ظبي واستعادة دورها في المنطقة تدريجيا.

الغاز.. والدخول على خط طرق الطاقة

من الملفات التي دخلت في الحسابات الجيوسياسية أيضا مشاريع نقل الغاز النيجيري نحو أوروبا. فمشروع خط الغاز العابر للصحراء الذي يفترض أن ينقل الغاز النيجيري عبر النيجر إلى الجزائر، ثم إلى أوروبا عبر شبكة الغاز الجزائرية ظهرت مؤشرات لتمويل إماراتي لمشروع وهمي وغير قابل للتنفيذ، وهو خط الغاز النيجيري-المغربي الذي تزعم آلة الدعاية المغربية أن يربط نيجيريا بعدد من دول غرب إفريقيا، وصولا إلى المغرب.

تجلّت محاولات أبو ظبي أيضا لتطويق الجزائر استراتيجيا في سعيها الحثيث للاستحواذ على شركة "ناتورجي" (Naturgy)، عملاق الطاقة الإسباني والشريك التاريخي لشركة سوناطراك. ورأت الدوائر السياسية والأمنية في الجزائر أن رغبة أبوظبي في السيطرة على حصة تفوق 40% من أسهم الشركة -التي تدير بالتشارك أنبوب الغاز البحري الحيوّي "ميدغاز"- لا تمثل مجرد صفقة تجارية، بل هي خطوة جيو-سياسية مدروسة لنقل معركة النفوذ إلى قلب أوروبا، عبر فرض وصاية مالية على صمامات تدفق الغاز الجزائري وإحكام كماشة الحصار حول المصالح الحيوية لـلجزائر بعد تحركات إماراتية مماثلة شهدتها جبهات الساحل الإفريقي وليبيا والمغرب.

"الماك" والحرب على الداخل الجزائري

في 2025، نشرت تقارير حول ضلوع قادة أبو ظبي في محاولات لاستهداف الوحدة الوطنية وتمويل حملات إعلامية معادية للجزائر، حيث وجهت أصابعه الاتهام إلى دوائر مغربية وصهيونية وإماراتية باستغلال حركة "ماك" الإرهابية وتمويل حملات تستهدف الدولة الجزائرية. في المقابل، ظهرت تقارير وتحليلات ربطت دوائر قريبة من القيادة الإماراتية باتصالات مع عناصر مرتبطة بـ"الماك".

وضمن استراتيجية "الأشقاء" لضرب الوحدة الوطنية والعزف على وتر الهوية، تحولت تصريحات الباحث محمد أمين بلغيث على قناة "سكاي نيوز عربية" الإماراتية - التي انتقت الموضوع بعناية - إلى أزمة سياسية وإعلامية واسعة.

حيث أثارت تصريحات بلغيث بشأن الهوية الأمازيغية ردود فعل قوية في الجزائر، قبل أن تتدخل العدالة الجزائرية في القضية، فيما شن التلفزيون العمومي هجوما حادا على الإمارات، متهما إياها بتجاوز "الخطوط الحمراء" والمساس بالوحدة والهوية الجزائرية.

واعتبرت القضية لحظة كاشفة، لأنها نقلت الخلاف الجزائري الإماراتي من الملفات الجيوسياسية البعيدة إلى المجال الإعلامي والهوية الوطنية، ودفعت وسائل إعلام البلدين إلى تصعيد لهجتها.

جانفي 2024.. أول إشارة رسمية شديدة اللهجة

وفي سياق الرد على الاستفزازات، أصدر المجلس الأعلى للأمن في 10 جانفي 2024 بيانا بعد اجتماع ترأسه الرئيس تبون، قال فيه إنه سجل بأسف "تصرفات عدائية" صادرة عن "بلد عربي شقيق".

البيان لم يسم الدولة، لكنه جاء في سياق الحديث عن الوضع الأمني في دول الجوار والساحل، وقرأته وسائل إعلام ومتابعون على نطاق واسع باعتباره إشارة إلى "الإمارات".

وتكمن أهمية هذه المحطة في أن الخلاف بدأ يخرج تدريجيا من دائرة الرسائل غير المباشرة إلى المؤسسات الرسمية الجزائرية.

دخول البعد الاقتصادي في الأزمة

في فيفري 2026، قال الرئيس تبون إن الدولة التي كان ينتقدها تهدد الجزائر باللجوء إلى التحكيم الدولي بسبب الاستثمارات، متحديا إياها بالذهاب إلى التحكيم.

الفديات.. أخطر حلقات أزمة الساحل

يعد ملف الفديات للجماعات الجهادية والإرهابية من أكثر الملفات حساسية في سياق التوتر حول الساحل، والعالم يشهد للجزائر دورها الريادي والمحوري كأول دولة قادت الجهود القارية والدولية لتجريم دفع الفدية للجماعات الإرهابية. وتُعتبر الدبلوماسية الجزائرية "المهندس الأول" لهذه العقيدة الأمنية في إفريقيا والعالم لإنهاء ما تصفه بـ"تمويل الإرهاب تحت غطاء إنساني".

لكن الشقيق الذي يبعد عن المنطقة بآلاف الكيلومترات كسر هذه الجهود بنية مسبقة. ففي أوت 2026، نقلت "رويترز" عن تقرير أممي أن نحو 50 مليون دولار دفعت في أواخر 2025 مقابل الإفراج عن رهينة في مالي وأن الأموال ساهمت في تمويل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة.

وقال التقرير إن الأموال ساعدت الجماعة على توسيع عملياتها في مالي وبوركينا فاسو والنيجر وبنين وتوغو. ولن لم تكشف الأمم المتحدة رسميا الجهة التي دفعت الفدية، لكن مصادر إقليمية نسبت الدفع إلى الإمارات التي ساهمت في إطلاق سراح مواطن إماراتي ورهينتين أجنبيتين.

وهنا تكمن خطورة الملف بالنسبة للجزائر، ليس في مجرد دفع الفدية وإنما في احتمال تحول أموال تحرير الرهائن إلى مورد لتمويل الجماعات المسلحة التي تنتشر في الخاصرة الجنوبية للجزائر.

النقل الجوي.. أول إجراء ثنائي مباشر

في 7 فيفري 2026، أعلنت الجزائر بدء إجراءات إنهاء اتفاق خدمات النقل الجوي الموقع مع الإمارات في ماي 2013 والمصادق عليه في ديسمبر 2014.

وكان الاتفاق ينص على إجراءات محددة للإنهاء، بما في ذلك الإخطار الدبلوماسي وفترة زمنية قبل انتهاء العمل به، والخطوة جاءت وسط تصاعد الانتقادات الجزائرية للإمارات.

صراع النفوذ عند الحدود الجزائرية

في نهاية أوت 2026، شهدت العاصمة النيجرية نيامي هجوما نفذته عناصر متمردة استهدفت المطار ومواقع حكومية، قبل أن تستعيد القوات الموالية للسلطات السيطرة على الوضع بمساعدة روسية ودعم جزائري.

وأعلنت وزارة الدفاع الجزائرية في 30 أوت إرسال أربع طائرات سوخوي سو-30 إلى النيجر، بناء على طلب السلطات النيجرية، في إطار دعم الجيش النيجري ومواجهة محاولة لزعزعة استقرار البلاد.

وتكشف هذه التطورات مدى حساسية النيجر بالنسبة إلى الجزائر، خصوصا أن الجزائر عززت في الأسابيع نفسها تعاونها العسكري مع نيامي، حيث أرسلت في 9 أوت أربع مروحيات عسكرية ومعدات وذخائر إلى الجيش النيجري.

ويرى مراقبون أن هذا التحرك لضرب التقارب الجزائري النيجري يكون القطرة التي أفاضت الكأس، وذلك لورود معلومات دقيقة حول ضلوع الإمارات مباشرة بمحاولة زعزعة استقرار نيامي.

المؤثرون والحرب الإعلامية ومصادر التمويل

مع تصاعد الأزمة، اتسع نطاق الاتهامات الجزائرية ليشمل وسائل التواصل الاجتماعي وصناع المحتوى، وسط حديث عن تمويل وتوجيه حملات إعلامية تستهدف صورة الجزائر أو علاقاتها مع دول الساحل.

وهذا الملف مهم لأنه يعكس انتقال الصراع من المجال الدبلوماسي التقليدي إلى مجال التأثير في الرأي العام، حيث أشارت تقارير إلى وجود شبهات وتحقيقات معمقة (بعد توقيف مؤثرين مترددين على أبو ظبي ودبي) لإثبات العلاقة المالية المباشرة بين جهة إماراتية ومؤثرين شباب.

ومن أشكال التنسيق العدائي المتواصل بين المخزن وتل أبيب وأبو ظبي أيضا، ما نشرته منصات استقصائية متخصصة بخصوص تكثيف أجهزة الاستخبارات المغربية والصهيونية نشاطها الإلكتروني عبر منصات التواصل الاجتماعي الناطقة بالعربية ضد الفلسطينيين واللبنانيين ومقاومتهم وضد الجزائر في وقت واحد.

وكشف تحقيق إلكتروني دقيق أعده خبراء جزائريون وعرب، سبق لـ"الخبر" نشر بعض من حيثياته، أن وحدة التنسيق الثنائي كثفت نشاطها على مدار ثلاث سنوات لمهاجمة الجزائر دولة وشعبا، وروّجت للتطبيع والتقارب الإسرائيلي المغربي العربي، مؤججة لفتنة ونافثة سمومها العنصرية بين الجزائريين والمغاربة والسعوديين، بما يؤكد أن التنسيق والاندماج بين القصر الملكي وتل أبيب وأبو ظبي ازداد تلاحما وبشكل علني مؤخرا، بعدما اتضح أن جزءا من التغريدات وحملات التشفي في استشهاد قادة المقاومة في لبنان وغزة مصدره المغرب وأبو ظبي، وهي نفس الخلايا التي وسعت نشاطها الإلكتروني لتشويه صورة الجزائر وتاريخها ورموزها ولزرع الفتن الداخلية.

والأخطر من ذلك، وفق ما تراه الدوائر المختصة، هو تنامي التقارب الإماراتي المغربي بأبعاد أمنية وعسكرية، تنامى بالموازاة مع تصاعد المواقف والتهديدات الصادرة عن مسؤول عسكري إسرائيلي رفيع تجاه الجزائر. وترى الجزائر أن أبو ظبي تجاوزت إطار العلاقات الثنائية المتوازنة نحو شراكة استراتيجية وأمنية وثيقة مع الرباط، بما يثير مخاوف بشأن انعكاساتها على أمن المنطقة.

وتتجلى أبرز أوجه هذا التقارب، حسب معطيات وتقارير متداولة، في الاستثمارات الإماراتية في قطاع الصناعات العسكرية بالمغرب، لاسيما في مجال تصنيع الآليات المدرعة وتطوير أنظمة دفاعية غير مأهولة وتقنيات بصرية متقدمة. ولا يقتصر هذا التعاون على الجانب الصناعي، بل يمتد إلى صفقات تسليح وبرامج لتحديث القدرات العسكرية المغربية، في ظل ترتيبات مرتبطة بنقل طائرات "ميراج 2000-9" إلى المغرب.

وبالتوازي مع ذلك، تعززت أشكال التعاون والتنسيق الأمني والاستخباراتي بين أبو ظبي والرباط، بما يعكس، وفق القراءة الجزائرية، انتقال العلاقات بين الطرفين من الشراكة الاقتصادية والاستثمارية إلى تعاون ذي أبعاد عسكرية وأمنية أكثر وضوحا.

وترى الجزائر أن هذا المسار، بما يتضمنه من نقل للتكنولوجيا والتجهيزات العسكرية وتعزيز للقدرات الدفاعية والهجومية المغربية، يثير مخاوف متزايدة بشأن انعكاساته على التوازنات الأمنية في المنطقة وعلى الأمن القومي الجزائري.