الوطن

"مواجهة الماضي الاستعماري ورشة كاملة لم تبدأ بعد"

المؤرخ الفرنسي بنيامين ستورا لـ "الخبر".

  • 358
  • 3:11 دقيقة
الصورة: حمزة كالي "الخبر"
الصورة: حمزة كالي "الخبر"

استبعد المؤرخ الفرنسي بنيامين ستورا استئناف نشاط لجنة الذاكرة التاريخية المشتركة الجزائرية الفرنسية في المرحلة الراهنة، معتبرا أن إحياء عملها يظل ممكنا في "مستقبل آخر"، بالنظر إلى أن ورشة الذاكرة ومواجهة الماضي الاستعماري لم تنطلقا فعليا بعد. وأكد أن معالجة إرث 132 سنة من الاستعمار، بما يحمله من مصادرة للأراضي ومجازر ومقاومات شعبية، تستوجب عملا طويلا وصبورا. كما حذر من مخاطر التراجع عن المكاسب المحققة في ملف الذاكرة، داعيا لتعزيزها وترسيخها لدى الأجيال الصاعدة.

حل المؤرخ الفرنسي البارز، بنجامين ستورا، أمس، ضيفا على جناح دار "الحكمة" بمعرض الجزائر الدولي للكتاب "سيلا"، لتقديم وتوقيع أحدث إصداراته الفكرية. وفي تصريح لـ"الخبر"، عقب التوقيع، تطرق ستورا إلى أبعاد مشروعه الفكري الجديد، وتقييمه للملفات الشائكة في الذاكرة المشتركة بين الجزائر وفرنسا.

تحدث المؤرخ عن عميق تأثره لوجوده في الجزائر العاصمة وتحديدا في يوم ذكرى اندلاع الثورة التحريرية المجيدة "1 نوفمبر". وأوضح ستورا أن اختياره التواجد بين جمهوره في هذا التاريخ بالذات يحمل دلالة عاطفية وتاريخية بالغة، لكونه يتزامن مع محطة مفصلية من تاريخ النضال الجزائري.

وحول جديد إصداراته المعنون "مؤرخ وصور، الجزائر في الحرب 1954- 1962" (Un historien et des images. L’Algérie en guerre 1954-1962)، أشار ستورا إلى أنه قرر هذه المرة تجاوز حدود الأرشيف المكتوب والشهادات الشفوية التي كتب عنها طويلا في مؤلفاته السابقة، مستذكرا بأسى رحيل وجوه بارزة ساعدته في أبحاثه مثل الصديقين الراحلين علي هارون الذي ساعده في العمل على فيدرالية جبهة التحرير في فرنسا، ومحمد هارون، لينتقل نحو حقل دلالي جديد يركز على "تمثيل الصور". وأكد أن هذا العمل يسعى لتفكيك كيف تبني المجتمعات تصوراتها عن نفسها وعن الآخر المغاير، وكيف تنعكس هذه التمثيلات البصرية على قراءة التاريخ.

في الوقت الحالي لا أعتقد ذلك، ولكن بالمستقبل، نعم. في مستقبل آخر، في تاريخ آخر. لماذا؟ لأن الورشة الذاكرية لم تبدأ حقا، في الواقع، بشكل أساسي. بمعنى أنه يجب.. مواجهة الماضي الاستعماري وجها لوجه؛ الماضي الاستعماري ضخم للغاية، لأنه 132 سنة من التاريخ، وليس سنة، أو سنتين، أو 3 سنوات، بل 132.. قرن ونصف، نعم! قرن ونصف من التاريخ، وهذا يعني أنه ورشة عمل كاملة يجب إطلاقها، وفهم عمليات مصادرة الأراضي، والمجازر، والمقاومات بالطبع، وآثار جميع مقاومات السكان.

وفي رده على سؤال حول مصير اللجنة التاريخية المشتركة الجزائرية الفرنسية، وإمكانية عودتها للنشاط، استبعد ستورا ذلك في المرحلة الحالية، مؤكدا أن آفاق استئناف عملها تبقى واردة في المستقبل حيث قال "في الوقت الحالي لا أعتقد ذلك، ولكن بالمستقبل، نعم. في مستقبل آخر، في تاريخ آخر. لماذا؟ لأن الورشة الذاكرية لم تبدأ حقا، في الواقع، بشكل أساسي. بمعنى أنه يجب مواجهة الماضي الاستعماري وجها لوجه؛ الماضي الاستعماري ضخم للغاية، لأنه 132 سنة من التاريخ، وليس سنة، أو سنتين، أو 3 سنوات، بل 132... قرن ونصف، نعم! قرن ونصف من التاريخ، وهذا يعني أنه ورشة عمل كاملة يجب إطلاقها، وفهم عمليات مصادرة الأراضي، والمجازر، والمقاومات الشعبية العارمة، وآثار جميع مقاومات السكان"، مؤكدا أن هذا يستوجب بالضرورة "عملا طويل النفس وصبورا"، معربا عن أمله في أن يعاد إحياء أعمال اللجنة في يوم ما.

وعن مدى وجود إرادة سياسية حقيقية من الجانب الفرنسي لمعالجة الملفات العالقة وملفات الذاكرة، قدم ستورا حصيلة متراوحة بين النجاح والإخفاق. ففي خانة النجاحات، أشاد ستورا بخطوات اعترفت من خلالها فرنسا باغتيال شهداء ومناضلين، على غرار علي بومنجل (الذي كان أحد أبنائه صديقا قريبا له)، واستعادة جثمان البطلة "نجمة"، فضلا عن الاعتراف باغتيال موريس أودان، وفتح بعض الأرشيفات الحساسة، والاعتراف الرسمي بمجازر 17 أكتوبر 1961.

أما في خانة الإخفاقات، فقد تأسف المؤرخ لعدم تسجيل أي تقدم يذكر في ملفات بالغة الحساسية، مثل التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية، وملفات أرشيف الحرب الكيميائية. كما أبدى حسرة خاصة إزاء تعثر مسعى إدراج المناضلة الراحلة جيزيل حليمي (صديقته الشخصية) في مقبرة العظماء (البانتيون) بفرنسا نتيجة معارضة قوية واجهت المبادرة هناك.

وختم ستورا بقوله ان هناك عددا من النجاحات التي يجب الاعتماد عليها يوما ما، "لأن ما أخشاه هو أن يتم تفكيك كل هذه المكاسب من قبل اليمين المتطرف الفرنسي، كما ترون، أو التشكيك فيها، لذلك سيتعين علينا تعزيز هذه المكاسب، لاسيما للأجيال الشابة الصاعدة" وترسيخ هذه الحقائق لتكون الزاد التاريخي لهذه الأجيال.