ثقافة

الجزائر في قلب معركة ذاكرة بفرنسا

أكثر من مئة دار سينما تتضامن مع المخرج ريني فوتيي المناهض للاستعمار.

  • 950
  • 3:09 دقيقة
المخرج، ريني فوتيي، الصورة: ح.م.
المخرج، ريني فوتيي، الصورة: ح.م.

تحولت قضية تغيير اسم دار السينما التي كانت تحمل اسم المخرج الفرنسي ريني فوتيي في مدينة إيلن، بإقليم البرينيه، جنوبي فرنسا، إلى عملية تضامن واسعة في أوساط السينما الفرنسية، بعدما أطلقت أكثر من مئة دار سينما في أنحاء البلاد، ولو بصورة رمزية ولمدة يوم واحد، اسم "رينيه-فوتيي" على قاعاتها.

 وجاءت هذه المبادرة ردا على قرار رئيس بلدية إيلن، ستيف فورتيل، تغيير اسم السينما البلدية، التي حملت منذ افتتاحها عام 2005 اسم المخرج الراحل، واستبداله باسم "La Bobine illibérienne"، في إشارة إلى سكان المدينة.

وفورتيل، الذي لا ينتمي رسميًا إلى حزب سياسي، تصنفه محافظة إقليم البرينيه ضمن اليمين المتطرف.

 وأثارت الخطوة انتقادات واسعة من جانب منظمات ونقابات مهنية في قطاع السينما، خصوصا أن ريني فوتيي (1928-2015) عُرف بأفلامه ومواقفه المناهضة للاستعمار والاستغلال، وبالتزامه السياسي خلال حرب الجزائر.

 وبرر رئيس بلدية إيلن قراره بالرغبة في "عدم تسييس الثقافة"، غير أن نحو أربع عشرة جمعية ونقابة عاملة في قطاع السينما ردت على هذا التبرير بإطلاق مبادرة وطنية للتضامن مع سينما إيلن.

 وقالت هذه المنظمات، في بيان مشترك، إن "الثقافة خيار سياسي"، داعية دور السينما في مختلف أنحاء فرنسا إلى وضع اسم ريني فوتيي على واجهاتها لمدة يوم، تعبيرا عن دعمها لدار السينما في إيلن ورفضها محو اسم المخرج من واجهتها.

 ومن بين الجهات المشاركة في المبادرة، جمعية المخرجات والمخرجين السينمائيين (SRF)، وجمعية السينما المستقلة من أجل عرضها (Acid)، والجمعية الفرنسية لدور سينما الفن والتجريب (AFCAE) .

وفي مدينة نونيه بإقليم فينيستير، تحولت واجهة دار "لوكلوب" إلى واحدة من أبرز مظاهر هذا التحرك، بعدما وضعت عليها أوراق بيضاء تحمل اسم "سينما ريني فوتيي"، في خطوة رمزية التقطتها وسائل إعلام محلية.

 وتزامن التحرك التضامني مع إعادة افتتاح سينما إيلن في 2 أكتوبر، بعد انتقال إدارتها إلى البلدية وإجراء تغييرات في طريقة تسييرها.

فقد انتهى التعاون مع الجمعية التاريخية التي كانت تديرها، Cinémaginaire، وحل محلها مقدم خدمات، فيما جاء تغيير الاسم ليكون أبرز التحولات.

 وكان اسم ريني فوتيي قد ظهر على واجهة السينما منذ افتتاحها عام 2005، قبل أن يُزال بقرار من رئيس البلدية.

 وخلال اجتماع للمجلس البلدي في 22 سبتمبر الماضي، أعلن ستيف فورتيل أنه إذا اضطر مستقبلا إلى إزالة أسماء شوارع أو أماكن أو أشخاص دعموا جبهة التحرير الوطني، فإنه سيفعل ذلك، في إشارة مباشرة إلى موقفه من الرموز المرتبطة بالثورة الجزائرية.

 وفي بيانها، اعتبرت المنظمات والنقابات السينمائية أن قرار تغيير اسم السينما يحمل دلالة رمزية بالغة، ورأت أنه لا يقتصر على تغيير تسمية مؤسسة ثقافية، بل يمس أيضا صورة رينيه فوتييه وإرثه السينمائي والسياسي. وقالت المنظمات إن القرار يعكس، بحسب تعبيرها، رغبة في طمس عمل فوتيي ونضالاته، فضلا عن تأثيره في هوية دار السينما نفسها.

ولقيت الدعوة استجابة من دور سينما في مناطق مختلفة من فرنسا. وقال دافيد أوباديا، المندوب العام للجمعية الفرنسية لدور سينما الفن والتجريب، إن دور السينما "تستجيب من كل مكان، من إيل دو فرانس إلى مرسيليا".

وبحلول نهاية يوم 2 أكتوبر، كان نحو مئة دار سينما قد استجابت للدعوة، مع الإشارة إلى أن العدد يصعب تحديده بدقة، إذ لا تُبلغ جميع دور السينما المنظمين بمشاركتها، كما أن الدور التابعة للبلديات تحتاج في بعض الحالات إلى الحصول على موافقة السلطات المحلية. وهكذا تحول تغيير اسم سينما واحدة في بلدة فرنسية صغيرة إلى قضية أوسع تتعلق بذاكرة حرب الجزائر، وبالمكانة التي تحتلها الشخصيات المرتبطة بتاريخ الاستعمار ومناهضته في الفضاء الثقافي الفرنسي.

 ورغم أن المبادرة لم تتجاوز في معظم الحالات يوما واحدا، فإن عشرات ومئات الواجهات السينمائية التي حملت اسم رينيه فوتييه أعادت إلى الواجهة اسم مخرج جعل من السينما، طوال عقود، وسيلة لمساءلة الاستعمار والحرب والذاكرة السياسية.

 ويعد ريني فوتيي أحد أبرز المخرجين الفرنسيين الذين جعلوا السينما وسيلة لتوثيق قضايا الاستعمار والحروب والنضالات السياسية. وخلال مسيرته، تناول في أعماله الاستعمار والرأسمالية وحرب الجزائر، وكان من أشهر أفلامه "أن تبلغ العشرين في الأوراس" (Avoir vingt ans dans les Aurès)، الذي يتناول تجربة مجموعة من الجنود الفرنسيين خلال الثورة التحريرية.

 كما ارتبط اسم فوتيي بموقف مؤيد لجبهة التحرير الوطني، وهو الجانب الذي يبدو أنه كان حاضرا بقوة في قرار رئيس بلدية إيلن.