اقتصاد

هذا ما سجله "الأفامي" حول الاقتصاد الجزائري

صندوق النقد الدولي يختتم مشاورات المادة الرابعة لعام 2026 مع الجزائر.

  • 1439
  • 3:40 دقيقة

اختتم صندوق النقد الدولي رسمياً، مشاورات المادة الرابعة لعام 2026 مع الجزائر، بعد زيارة بعثة من خبرائه قادها شارالامبوس تسانغاريدس إلى الجزائر العاصمة، في الفترة من 16 إلى 30 جوان الماضي. وأصدرت البعثة بياناً ختامياً يرصد تطورات الاقتصاد الكلي ويقدم توصيات لتعزيز الاستقرار المالي والنقدي، ويدفع نحو إصلاحات هيكلية أعمق تضع القطاع الخاص في صدارة النمو المستدام، مع الإقرار بأن النمو ظل قوياً وبلغ نحو 3.9%، مدعوماً باستثمارات كبيرة.

تُعد مشاورات المادة الرابعة إحدى الركائز الأساسية لعمل صندوق النقد الدولي، وهي آلية رقابية دورية تُجرى بموجب المادة الرابعة من اتفاقية تأسيس الصندوق مع جميع الدول الأعضاء، وتتمثل في زيارة فريق من خبراء الصندوق للبلد المعني للقاء المسؤولين الحكوميين ومؤسسات المالية العامة والبنك المركزي والفاعلين الاقتصاديين، بهدف تقييم التطورات الاقتصادية والمالية، وتحليل السياسات الكلية المتبعة، وقياس المخاطر الداخلية والخارجية. وتُتوّج هذه المشاورات بتقرير يرفع إلى إدارة الصندوق ثم إلى مجلسه التنفيذي للمناقشة وإقرار التوصيات، في إطار حوار تعاوني مع السلطات الوطنية يرمي إلى دعم الاستقرار الاقتصادي وتعزيز النمو الشامل.

نمو قوي عند 3.9% وتضخم تحت المجهر

واستعرض بيان البعثة، تطورات الاقتصاد الجزائري خلال عام 2025، حيث أقرت البعثة بأن النمو ظل قوياً وبلغ نحو 3.9%، مدعوماً باستثمارات كبيرة، في مقابل نمو نسبي لقطاع المحروقات. وسجل التضخم الرئيسي ارتفاعاً في سبتمبر 2025، قاده زيادة في أسعار المجوهرات وارتفاع معتدل في أسعار المواد الغذائية.

أما على صعيد المالية العامة، فقد انخفض العجز المالي إلى 10.5% من الناتج المحلي الإجمالي، مستفيداً من أرباح استثنائية كبيرة من الشركات (العمومية) المملوكة للدولة ومن بنك الجزائر، فضلاً عن زيادة في الإيرادات غير النفطية. بيد أن الصندوق شدد على أن العجز ظل مرتفعاً، إذ دفعت الاحتياجات التمويلية الكبيرة الدين العام إلى 52.1% من الناتج المحلي الإجمالي، بالتزامن مع تيسير في الأوضاع النقدية وزيادة تمويل البنك المركزي للحكومة.

وعلى صعيد الحساب الخارجي، سجل البيان انخفاضا في ميزان الحساب الجاري لعام 2025، بسبب ارتفاع الواردات الذي غذته استثمارات عامة ضخمة، مقروناً بانخفاض صادرات المحروقات. وأدى حجم عجز الحساب الجاري إلى تراجع في الاحتياطيات الدولية، في وقت ظل فيه سعر الصرف الموازي مرتفعاً رغم الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي.

ورجحت البعثة أن تظل التوقعات على المدى القريب إيجابية بوجه عام، إذ من المنتظر أن تعزز أسعار المحروقات المرتفعة كلاً من الصادرات والإيرادات المالية، مع بقاء نمو الناتج المحلي الإجمالي قوياً عند 3.8% في عام 2026، وارتفاع التضخم بصفة مؤقتة، غير أن العجز المالي سيظل نسبيا مرتفعاً، وتمت الدعوة إلى اعتماد إصلاحات تعزز الاستدامة المالية وتنويع الاقتصاد وتحفيز الاستثمار الخاص.

توصيات بضبط مالي ونقدي ومرونة أكبر للصرف

ودعت البعثة في بيانها إلى تعزيز المرونة الاقتصادية، وأوصت بـ"ضبط مالي كبير"، لا سيما في ظل اتساع عجز الحساب الجاري المنسوب جزئياً إلى الاستثمار العام، مع تجنب التمويل النقدي للحكومة، وحثّت على ضبط السياسة النقدية، وتحسين إدارة السيولة لتقريب سعر الفائدة بين البنوك من السعر الرسمي، بما يعزز فعالية السياسة النقدية.

واعتبرت البعثة أن زيادة مرونة سعر الصرف من شأنها أن تقوي قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية، مشددة على أن تحسين أداء سوق الصرف الأجنبي الرسمي، مدعوماً بمزيج سياسات كلية أكثر اتساقاً، سيسهم في تعزيز الثقة ودعم نشاط القطاع الخاص.

أجندة إصلاحية لضبط المالية العامة ودعم النمو بقيادة القطاع الخاص

وفي تفاصيل الأجندة الإصلاحية على المدى المتوسط، أوصت البعثة باعتماد ضبط مالي يركز على تعبئة مزيد من الإيرادات غير النفطية عبر توسيع القاعدة الضريبية وخفض الإعفاءات ورقمنة الإدارة الجبائية لمكافحة القطاع غير الرسمي. كما دعت إلى إصلاح الإعانات والمزايا الاجتماعية، والحد من التحويلات إلى الشركات المملوكة للدولة، بما يفسح المجال لدعم موجه للأسر الأكثر هشاشة، وإلى تعزيز كفاءة الاستثمار العمومي. ورحبت في هذا الإطار بالخطوات الأولية لتنويع مصادر التمويل، ومنها أول إصدار للصكوك السيادية والتمويل المرتقب من بنك تنمية إقليمي.

وبخصوص السياسة النقدية، أوصت البعثة بجعل التضخم المنخفض الهدف وبضوابط تنظيمية صارمة على أي تمويل نقدي استثنائي للحكومة، حفاظاً على الاستقلالية التشغيلية.

ولفت الصندوق إلى ضرورة مواصلة الإصلاحات الهيكلية الرامية إلى دعم نمو أقوى وأكثر مرونة بقيادة القطاع الخاص، عبر تحسين مناخ الأعمال وتحقيق تكافؤ الفرص بين الشركات العمومية والخاصة، وتخفيف القيود التجارية والحواجز التنظيمية، وتعزيز مرونة أسواق السلع والعمل، وتقليص القطاع غير الرسمي. وأشار البيان إلى إمكانية الاستفادة من الموقع الجغرافي للجزائر وثروتها من موارد الطاقة لتعزيز دورها في سوق الطاقة الأوروبية والإفريقية، مرحباً بجهود تنويع الاقتصاد في قطاعي التعدين والفلاحة.

ترحيب بخروج الجزائر من القائمة الرمادية ومواصلة الإصلاحات

وفي ختام بيانها، رحبت بعثة صندوق النقد الدولي بإزالة اسم الجزائر من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي "غافي" الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، واعتبرت ذلك "إنجازاً هاماً يعكس التزاماً قوياً وجهوداً إصلاحية متواصلة"، وحثت السلطات على مواصلة هذه الجهود. كما أعربت البعثة عن امتنانها وتقديرها للسلطات وجميع الأطراف المعنية على حسن الضيافة والمناقشات المفتوحة والبنّاءة.