العالم

استحضار الوساطة الجزائرية كنموذج لحل أزمة الشرق الأوسط

دبلوماسي ورهينة سابق يتخذ أزمة الرهائن الأمريكيين الذين احتجزوا في طهران عام 1979 مثالا لذلك.

  • 4847
  • 3:14 دقيقة
ص: ح.م
ص: ح.م

 قدم الدبلوماسي الأمريكي السابق، جون ليمبرت، وأحد الرهائن الـ52 الذين احتجزوا في طهران، خلال الثورة الخمينية سنة 1979، شهادات وتفاصيل حول أسباب نجاح الوساطة الجزائرية وقوتها ومرتكزاتها، واضعا هذه العناصر في السياق الحالي وفي الأزمة الحالية بين واشنطن وطهران.

وضمن تصريحاته لـ"قناة الجزائر الدولية"، ليلة أمس، قال الدبلوماسي إن ما عايشه وتعلمه بنفسه هو أن الدبلوماسيين الجزائريين ومن بينهم، السفير غريب، والسيد مصطفاوي من البنك المركزي، والسفير الراحل رضا مالك في واشنطن، وغيرهم، وأيا كان المسمى الذي جرى إطلاقه عليه، سواء القوة الناعمة أو أي شيء آخر، هو أنهم "طبقوا أدوات الدبلوماسية الحقيقية ببراعة".

وأشار المتحدث في حوار مطول إلى أن أدوات الدبلوماسية ليست بالشيء الجديد أو المخفي أو الغامض، بل هي أدوات رافقت البشرية منذ عهود اليونانيين والفرس، لكن الناس اليوم يقومون بإهمالها وركنها جانبا أو وضعها في المخازن لتتراكم عليها الأتربة والصدأ، لكنها، برغم ذلك، تظل قائمة وموجودة، في إشارة على ما يبدو للقرارات التي تتخذها إدارة الرئيس الأمريكي الحالي في التعامل مع العديد من القضايا والملفات.

وعاد الدبلوماسي إلى أجواء الأزمة التي دامت عامين، قائلا إن الجزائريين تميزوا بالصبر، والمثابرة، والتعاطف، والاهتمام الشديد بانتقاء الكلمات وبقدرة استثنائية على الاستماع، لافتا إلى أنهم قدموا النصح للرئيس جيمي كارتر أثناء زيارتهم له في واشنطن في وقت مرت فيه المفاوضات بمنعطفات شديدة الصعوبة، وقالوا له ببساطة: "سيد الرئيس، تحلَّ بالصبر فحسب".

وفي رده على سؤال حول مكانة الدبلوماسية الجزائرية، على أساس وصفها بأنها "وسيط مقبول من الجميع"، رد ليمبرت بالقول: "أستطيع أن أخبركم أنه في عامي 1979 و1980، كان الجزائريون يملكون رصيدا كبيرا جدا من المصداقية لدى الجمهورية الإسلامية الناشئة حينها، وذلك بسبب الماضي الثوري لها، وبفضل النضال العظيم الذي خاضه الشعب الجزائري لاستعادة استقلاله"، مضيفا أنه في الوقت ذاته، كان هناك تعاطف وتقدير كبيران تجاههم في الولايات المتحدة.

وبخصوص المسار التفاوضي، أفاد الدبلوماسي بأن المقترح الأول لحل أزمة الرهائن طُرح في أوت أو سبتمبر من عام 1980، من الإيرانيين أنفسهم، لأنهم، "وعلى ما يبدو، رأوا، وعلى رأسهم آية الله الخميني، أن الأزمة طالت أكثر من اللازم، وأنه قد حان الوقت لتسويتها"، موضحا أن المبادرة الأولى لم تتم عبر الجزائريين، بل بدأت من خلال الألمان.

غير أنه سرعان ما تراجع الإيرانيون، قائلين: "لا، نحن نفضل التفاوض عبر الوسيط الجزائري"، يضيف المتحدث، مشيرا إلى أن هذا الخيار منح الجانب الإيراني غطاء سياسيا محليا ومقبولا للخطوة التي كانوا يقدمون عليها، إذ استطاعوا القول: "نحن نتفاوض مع رفقائنا في الثورة، مع أناس يعرفوننا ويفهموننا، وعاشوا نفس التجارب القاسية التي مررنا بها".

وقيّم الرهينة السابق بأن هذا الأمر عزز كثيرا من مصداقية الوساطة، إلى جانب "المهارة الكبيرة والاحترافية العالية للجزائريين أنفسهم، الذين لم يفقدوا الأمل أو يستسلموا أبدا، بل واصلوا جهودهم بإصرار حتى تم التوصل إلى التسوية النهائية"، موضحا أن العملية استغرقت أربعة أشهر كاملة.

وفي ما يمكن اعتباره إسقاط تجارب الماضي على الحاضر ووضعها في السياق الجاري، قال المتحدث الذي عمل بين عامي 1986 و1988 في السفارة الأمريكية بالجزائر، إن اليوم في واشنطن، وهذا يتجلى أيضا في طهران، وربما في القدس وبلدان أخرى كذلك، ثمة مسؤولون لا يبدو أنهم يملكون الكثير من هذه الخصال، مضيفا: "أنا لا أرى الكثير من الصبر، ولا ألمس الكثير من التعاطف، ولا أرى أي اهتمام حقيقي بانتقاء العبارات".

وثمّن المتحدث أدوات الدبلوماسية الهادئة، معترفا بأن مسارها بطيء، وقد يبعث على الإحباط في كثير من الأحيان ولا تحصل على كل ما تريده بالكامل، لكن، يتابع ليمبرت، الدبلوماسية لا تعني القول: "هذه هي شروطنا، وأمامكم أربع وعشرون ساعة فقط لقبولها"، في توصيف يتطابق إلى حد كبير لما يجري حاليا بين واشنطن وطهران.

وتطرق ليمبرت إلى العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، طيلة العقود الماضية، مشيرا إلى أن المشهد يمثل في كثير من الأحيان النقيض التام للدبلوماسية.

وتابع: "لقد عشنا سبعة وأربعين عاما من الدوران في حلقة مفرغة من العبث، لم يتقن فيها الطرفان سوى تبادل الاتهامات القاسية، والإهانات، والتهديدات والوعيد".

وأرجع المتحدث السبب الجوهري وراء ذلك إلى إهمال العاصمتين التام لأدوات الدبلوماسية التقليدية، وتوهمهما أن لغة الترهيب، والضغوط القصوى، وتوجيه الإنذارات، والتهديدات المستمرة ستكون أكثر جدوى وفاعلية في تحقيق مآربهما. غير أن الواقع يثبت لنا اليوم، وبكل جلاء، عدم جدوى هذا المسار العقيم، يضيف ليمبرت.