مجتمع

الحماية المدنية تكشف كواليس معركة إخماد الحرائق

في تصريح لإطار من الهيئة الإغاثية خص به "الخبر تي في".

  • 1198
  • 4:35 دقيقة
الصورة: الحماية المدنية
الصورة: الحماية المدنية

أكد العقيد فاروق عاشور، المفتش بالمديرية العامة للحماية المدنية، أن مواجهة حرائق الغابات لم تعد تقتصر على تدخل فرق الإطفاء فقط، بل أصبحت تعتمد على منظومة متكاملة يشارك فيها المواطن والمتطوع ومختلف الهيئات، مشددا على أن الوعي والتبليغ المبكر يمثلان عاملين حاسمين في الحد من انتشار النيران والسيطرة عليها في مراحلها الأولى.

 وأوضح العقيد عاشور، في حديث خص به "الخبر تي في"، أن المواطنين أصبحوا حلقة مهمة في سلسلة الوقاية من الأخطار، داعيا إلى توجيه هذا الحس التضامني نحو تكوين وتأطير يسمح بالتدخل بطريقة آمنة وفعالة، خاصة أن العديد من المواطنين يبادرون إلى مساندة أعوان الحماية المدنية خلال الحرائق، غير أن بعضهم قد يعرض نفسه للخطر بسبب نقص الخبرة أو غياب الوسائل المناسبة.

 الأولوية لحماية الأرواح

وفي تقييمه للوضعية الحالية للحرائق عبر الوطن، كشف المتحدث أنه منذ صدور النشرات الجوية الخاصة ابتداء من 8 جويلية الجاري، سجلت مصالح الحماية المدنية 1437 حريقا عبر مختلف مناطق الوطن، منها 465 حريقا غابات مست 35 ولاية، إضافة إلى 972 حريقا مست المحاصيل الزراعية والأشجار عبر 47 ولاية.

 وأضاف أن الوضعية الحالية تعرف تسجيل 19 حريقا عبر ولايات سكيكدة، ڤالمة، البويرة، معسكر والمدية، مشيرا إلى أن هذه الحرائق أصبحت تحت السيطرة بفضل التدخلات الميدانية والإجراءات الوقائية المتخذة، رغم صعوبة الظروف المناخية التي ميزتها الرياح القوية والتضاريس الوعرة.

 وأوضح العقيد عاشور أن حرائق الغابات أصبحت خلال السنوات الأخيرة أكثر تعقيدا، وهي ظاهرة لا تخص الجزائر فقط، بل مست العديد من دول البحر الأبيض المتوسط والعالم، بسبب التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة.

وأضاف أن وجود تجمعات سكنية بمحاذاة الغابات أو داخلها جعل الأولوية خلال التدخلات تتمثل في حماية الأرواح والممتلكات قبل مباشرة عمليات إخماد النيران.

 وأشار إلى أن بعض الولايات سجلت عددا معتبرا من الحرائق، سواء من حيث عدد البؤر أو المساحات المتضررة، على غرار ميلة، بجاية، ڤالمة، تيزي وزو، البويرة، إضافة إلى سيدي بلعباس ومعسكر وسعيدة، حيث اندلعت عدة حرائق في توقيت متقارب، ما استدعى تفعيل مخططات التدخل الخاصة.

 ظروف استثنائية..
وبخصوص مقارنة الوضع الحالي بالسنة الماضية، أوضح مسؤول الإعلام بالحماية المدنية أن موسم السنة الماضية كان أكثر هدوءا من حيث عدد الحرائق، في حين تميزت السنة الحالية بظروف استثنائية، بسبب تداخل عوامل عديدة، منها الأمطار المعتبرة التي ساهمت في نمو الغطاء النباتي، قبل أن تؤدي الحرارة المرتفعة إلى تحوله إلى مادة قابلة للاشتعال، إلى جانب موجات الحر والتقلبات المناخية.

 وقال المتحدث إن التغيرات المناخية أصبحت عنصرا مباشرا في ارتفاع مخاطر الحرائق، مشيرا إلى أن الجزائر سجلت في الوقت نفسه مفارقة مناخية، حيث كانت فرق الحماية المدنية تكافح حرائق في الشمال، بينما عرفت مناطق جنوبية تساقط أمطار معتبرة ومفاجئة.

 وأكد العقيد عاشور أن المديرية العامة للحماية المدنية تعتمد سنويا على تقييم حصيلة الموسم السابق لإعداد استراتيجية جديدة، ترتكز على رفع الجاهزية البشرية، وتعزيز التكوين، وتطوير الوسائل التقنية واللوجستية.

وأوضح أن الجهاز يضم حوالي 19 ألف عون يوميا موزعين عبر 505 وحدات تدخلية، إضافة إلى وحدات متنقلة، ومفارز جهوية، ودعم من المجموعة الجوية التي تم تعزيزها بوسائل جوية متخصصة. كما أشاد بالدور الذي تلعبه مختلف الهيئات في مواجهة الحرائق، لاسيما الجيش الوطني الشعبي، ومحافظة الغابات، والجماعات المحلية، مؤكدا أن مواجهة هذه الكوارث تتطلب تضافر جميع الجهود.

 خطة مواجهة الحرائق

وفي شرح لمراحل الخطة الوطنية لمواجهة حرائق الغابات، أوضح المتحدث أنها تقوم على ثلاث مراحل أساسية، تبدأ بالتحسيس والتوعية، ثم التنسيق بين مختلف المتدخلين، قبل الانتقال إلى مرحلة التدخل العملياتي.

 وفي الجانب الوقائي، دعا العقيد عاشور المواطنين القاطنين بالقرب من الغابات إلى إزالة الحشائش والأعشاب الجافة المحيطة بمنازلهم، والتعرف على طرق الإخلاء الآمن، وعدم القيام بأي تصرف قد يتسبب في اندلاع الحرائق، إضافة إلى ضرورة التبليغ المبكر عن أي حريق.

 وأكد أن سرعة الإبلاغ تلعب دورا حاسما، لأن الدقائق الأولى تسمح بتقليص مساحة انتشار النار وتسهيل مهمة الفرق المتدخلة، مشيرا إلى أن تأخر التبليغ يعد من أبرز العوامل التي تزيد من صعوبة السيطرة على الحرائق.

 "الدرون" والذكاء الاصطناعي

وفي إطار تطوير وسائل التدخل، كشف العقيد عاشور عن اعتماد تقنيات حديثة، منها الطائرات المسيرة "الدرون"، وخرائط الأخطار اليومية المبنية على المؤشرات المناخية، إلى جانب استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تحديد المناطق الأكثر عرضة للحرائق وتوجيه الوسائل بشكل استباقي.

كما أشار إلى وجود مركز تنسيق عملياتي وطني يتابع التدخلات على مدار الساعة، حيث يتم استقبال المعلومات وتحليلها وتوجيه الدعم اللازم، بداية من الوحدات القريبة من مكان الحريق، ثم إرسال التعزيزات من الوحدات المجاورة والمفارز الجهوية وصولا إلى الوسائل الجوية عند الحاجة.

 وعن الخسائر البشرية المسجلة، أكد العقيد عاشور تسجيل أربع وفيات في صفوف المواطنين، منها حالتان بولاية ڤالمة وحالتان بولاية سطيف، في انتظار تحديد أسبابها من قبل الجهات القضائية المختصة.

 كما سجلت مصالح الحماية المدنية إصابات وحالات حروق في صفوف بعض الأعوان بسبب صعوبة ظروف التدخل، رغم الإجراءات الوقائية والبروتوكولات المعتمدة لحماية سلامتهم.

 تضحيات متواصلة

وبخصوص تضحيات أعوان الحماية المدنية، خلال موسم الاصطياف، قال العقيد عاشور إن هذه الفترة تعرف ضغطا كبيرا، باعتبار أن أكثر من 40 بالمئة من تدخلات الجهاز السنوية تتركز بين شهري جوان وأوت، بسبب ارتفاع حوادث المرور، وتوافد المصطافين، ومختلف المخاطر المرتبطة بالموسم.

 وتابع العقيد عاشور قائلا: "إن أعوان الحماية المدنية يضحون بعطلهم وراحتهم من أجل حماية المواطنين"، مشيرا إلى أن أنهم يخضعون لمتابعة نفسية ومرافقة خاصة بعد التدخلات الصعبة، وأن راحة العون وسلامته تبقى من أولويات المديرية العامة للحماية المدنية.

 وفيما يتعلق بمشاركة المتطوعين، ثمّن العقيد عاشور روح التضامن التي يبرزها المواطن الجزائري خلال الكوارث، مؤكدا أن الهدف هو جعل المواطن عنصرا فعالا في سلسلة الوقاية، داعيا الراغبين في المساعدة إلى الاستفادة من تكوين "مسعف لكل عائلة" حتى تكون تدخلاتهم آمنة وناجعة.

 وختم مسؤول الإعلام بالحماية المدنية بدعوة المواطنين إلى حماية الغابات باعتبارها ثروة جماعية، وتجنب إشعال النار أو رمي النفايات داخلها، والالتزام بالقوانين الجديدة التي أصبحت أكثر صرامة تجاه المتسببين في الحرائق، مع ضرورة الإبلاغ الفوري عن أي حريق أو سلوك مشبوه، لأن "الوقت بين تلقي النداء ووصول الفرق الأولى قد يكون العامل الحاسم في السيطرة على الحريق".