ثقافة

جمهور الأوبرا يسافر إلى زمن موسيقى الباروك الساحرة

قاد الأوركسترا المايسترو بوريس ألكسندر باريداس ألزولا.

  • 300
  • 2:54 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

في زمنٍ كانت فيه الموسيقى تُبنى كعمارةٍ دقيقة، وُلدت موسيقى الباروك كأحد أكثر العصور ثراءً في تاريخ الفن الغربي، حيث تمتزج العاطفة بالتقنية، ويتحوّل الصوت إلى لغةٍ درامية نابضة بالتفاصيل. هذا الإرث الذي ازدهر في أوروبا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، عاد ليحيا من جديد على خشبة أوبرا الجزائر "بوعلام بسايح"، حين قادت أوركسترا باروك سيمون بوليفار الفنزويلية الجمهور في رحلةٍ آسرة عبر الزمن، في السهرة السادسة، ضمن فعاليات الطبعة الخامسة عشرة من المهرجان الثقافي الدولي للموسيقى السيمفونية. في أمسيةٍ اتسمت بالدفء والتفاعل، لم يكن العرض مجرد استعادة لأعمال كلاسيكية، بل تجربة فنية متكاملة أعادت قراءة الباروك بروح لاتينية معاصرة، حيث تلاقت التقاليد الأوروبية مع الإيقاعات الفنزويلية في حوارٍ موسيقيّ عكس قدرة هذا الفن العريق على التجدّد والانفتاح على ثقافات مختلفة.

قاد الأوركسترا المايسترو بوريس ألكسندر باريداس ألزولا، الذي أوضح في تصريح له أن الفرقة "لا تقدم الموسيقى الكلاسيكية بمعناها الواسع، بل تختص تحديدًا في موسيقى الباروك، باعتبارها جوهر مشروعها الفني"، مشيرًا إلى أن هذا التوجه يندرج ضمن عملهم في إطار برنامج "السيستيما" الموجّه لتعليم الموسيقى للشباب، مع اعتماد مقاربة الأداء التاريخي وإعادة إنتاج الأصوات الأصلية لتلك الحقبة.

استُهل البرنامج بعمل للأيقونة الإيطالية أنطونيو فيفالدي، من خلال "السيمفونية في صول الصغير"، وهي قطعة قصيرة مكثفة تعكس حيوية الكتابة الباروكية وتباينها الديناميكي. ثم انتقل الجمهور إلى عالم جورج فريدريك هاندل عبر "كونشرتو جروسو" (مصنف 3، رقم 2)، حيث تجلّى الحوار بين العازفين المنفردين والأوركسترا في بناء موسيقي أنيق ومتوازن. كما تواصل الحضور مع هاندل من خلال "متتالية راداميستو" في توزيع ليوهان فريدريش فاش، التي حملت روحًا مسرحية واضحة مع الحفاظ على نقاء الخطوط اللحنية.

في هذا السياق، أشار قائد الأوركسترا إلى أن البرنامج يضم أعمالًا يشتغلون عليها منذ سنوات، من بينها مؤلفات جان فيري روبل التي "تمثل رقصات قديمة بشكل مميز"، إلى جانب أعمال هاندل ومقاطع أوبرالية، مضيفًا أن التشكيلة تضم 39 موسيقيًا يعتمدون على آلات باروكية مثل الأوبوا والفلوت والكمان والتشيلو الباروكي، بهدف تحقيق أقصى درجات الدقة في الأداء.

وشهدت السهرة تحولًا لافتًا مع"متتالية شخصيات الرقص" للمؤلف الفرنسي جان فيري روبل، التي استعرضت أنماطًا متعددة من الرقصات الباروكية في تتابع حيوي، عكس ثراء الثقافة الفرنسية في القرن الثامن عشر. غير أن البصمة الفنزويلية برزت بقوة في الجزء الثاني من البرنامج، بدءًا من "فوغا كريولا" لخوان باوتيستا بلازا، التي مزجت بين تقنية الفوغ الباروكية والإيقاعات الشعبية، وصولًا إلى عمل ألدمارو روميرو "فوغا مع الطائر الملوّن"، الذي قدّم قراءة لاتينية معاصرة للتراث الكلاسيكي.

وفي هذا الإطار، عبّر المايسترو عن رغبته في الانفتاح على الموسيقى الجزائرية مستقبلاً، قائلاً إنه معجب بأغنية "يا الرايح" ويتمنى إعداد توزيع يمزجها بالإيقاعات الفنزويلية في دورات قادمة، مؤكدًا أن "الموسيقى فضاء للوحدة، والأهم فيها هو تقاسم متعة العزف". كما لم يُخفِ إعجابه بالأجواء في الجزائر، معتبرًا أن هذه الزيارة، وهي الأولى له إلى إفريقيا، كانت تجربة مميزة، حيث لمس "دفئًا كبيرًا من الجمهور وتقاربًا ثقافيًا واضحًا". واختُتمت السهرة بقطعة "مينويت دي لا بينكا" لخوان كارلوس هيدالغو، التي حملت طابعًا احتفاليًا خفيفًا، مستلهمة تصورًا تخيليًا لزيارة يوهان سيباستيان باخ إلى فنزويلا واحتكاكه بالموسيقى الشعبية هناك.         

وأكد سفير فنزويلا بالجزائر، عماد صعب، من جهته، أن مشاركة بلاده للسنة الثالثة على التوالي في هذا المهرجان "تعكس تمسكها بموعد ثقافي أصبح لا غنى عنه"، معربًا عن فخره برؤية فنزويلا ممثلة مجددًا على خشبة الأوبرا ضمن هذه التظاهرة الدولية. وأضاف السفير أن هذه المشاركة، التي تتم عبر أوركسترا سيمون بوليفار الباروكية المنبثقة عن برنامج "إل سيستيما"، تمثل "محطة بارزة" في هذه الدورة، مشيدًا في الوقت ذاته بجودة التنظيم وحسن استقبال الوفود. مبرزًا أن المهرجان يساهم في "إشعاع الموسيقى السيمفونية دوليًا في الجزائر". كما وصف الأجواء التي رافقت التظاهرة بـ"الاستثنائية"، لما تميزت به من غنى في التبادل الثقافي وجودة في العروض.