اقتصاد

الجزائر وألمانيا.. شراكة متعددة الأبعاد

تتجسّد اليوم شراكة استثنائية تجمع أكبر اقتصاد في أوروبا بأكبر بلد في إفريقيا.

  • 497
  • 3:09 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

لم تعد العلاقات الجزائرية - الألمانية مجرد لقاءات دبلوماسية عابرة أو توقيع اتفاقيات تجارية تقليدية، بل تحوّلت إلى ورشة مفتوحة لبناء محور استراتيجي جديد يعيد تشكيل موازين القوى الاقتصادية والطاقوية في منطقة المتوسط.

من التوأمة المؤسسية بين وكالتي الاستثمار في البلدين، إلى المشروع العملاق لممر الهيدروجين الأخضر جنوب - شمال، وصولاً إلى التعاون الدفاعي والتكنولوجي رفيع المستوى، تتجسّد اليوم شراكة استثنائية تجمع أكبر اقتصاد في أوروبا بأكبر بلد في إفريقيا، هي شراكة تتجاوز لغة الأرقام، وإن كانت الأرقام بليغة، بصادرات جزائرية قفزت نحو ألمانيا بأكثر من ستين في المائة في عام واحد، وبأكثر من مائتي شركة ألمانية تنشط في قطاعات حيوية بالجزائر، لتصل إلى مستوى الثقة الإستراتيجية التي جعلت الجزائر الشريك الأول لألمانيا في إفريقيا في مجال التكنولوجيا الدفاعية.

ما بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، تتجاوز العلاقات الجزائرية الألمانية اليوم مجرد المصافحة الدبلوماسية أو توقيع الاتفاقيات التجارية، حسب ما أبرزه شريط وثائقي خاص، لتشرع في بناء محور استراتيجي جديد قد يعيد تشكيل موازين القوة والاقتصاد في المنطقة. فمن التوأمة المؤسسية إلى مشاريع الهيدروجين الأخضر، مروراً بصناعة الدفاع والتكنولوجيا، ترتسم ملامح شراكة طموحة تجمع بين أكبر اقتصاد في أوروبا وأكبر بلد في إفريقيا.

ففي خطوة وصفها المراقبون بـ "الرائدة"، أطلقت الجزائر وألمانيا برنامج توأمة مؤسسية يجمع الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار (AAPI) بنظيرتها الألمانية، ممثلة في وزارة الاقتصاد والطاقة الاتحادية. ويهدف هذا البرنامج، الذي أنجز في زمن قياسي لا يتجاوز 8 أشهر، إلى نقل الخبرة الألمانية العريقة في مجال تحسين مناخ الأعمال وتحديث آليات جذب الاستثمارات.

واستدل الشريط الوثائقي بتصريح عمر رقاش، المدير العام للوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، مفاده أن هذه المبادرة لا تتبع أي نموذج جامد، بل تعتمد على مقاربة "مرنة وتكيفية"، ترصد النجاحات الأولى وتصحح المسار باستمرار وفقاً لخصوصيات البيئة الاقتصادية الجزائرية. وتتمحور الأهداف حول تحديث الأدوات الإدارية ورفع درجة الشفافية، واعتماد مقاربة جراحية قائمة على تحليل البيانات (Data) لاستهداف الاستثمارات الأكثر، إضافة إلى الاقتصاد الوطني، والابتعاد عن منطق "الرز" غير المركز.

ديناميكية اقتصادية: تدفق متوازن وأرقام قياسية

لا تأتي هذه الديناميكية المؤسسية من فراغ، بل تندرج ضمن سياق اقتصادي يشهد تحولاً عميقاً؛ فبين البلدين علاقة تجارية ضاربة في القدم، يتجسد وجودها بأكثر من 200 شركة ألمانية تعمل على الأراضي الجزائرية في مجالات حيوية؛ من البناء إلى الصناعات الكيماوية. كما أن الصادرات الجزائرية إلى ألمانيا، خصوصاً الطاقة، قفزت بأكثر من 60% في عام واحد فقط، مقابل استقرار نسبي للواردات من ألمانيا، مما يشير إلى تحول في هيكل التبادل التجاري، بحيث لم تعد الجزائر فيه مجرد سوق للمنتجات الألمانية، بل شريكاً يزود القارة العجوز بطاقاتها.

الهيدروجين الأخضر ركيزة المستقبل

غير أن ما يجعل هذه الشراكة "إستراتيجية" بامتياز؛ ارتكازها على مشروعين هامين بعيدي المدى، يعيدان تعريف التعاون الثنائي؛ الأول ممر الهيدروجين الجنوبي، وهي طاقة الغد لأوروبا. ففي ظل سعي ألمانيا لتحقيق حيادها الكربوني، تبرز الجزائر كلاعب محوري لا يمكن تجاوزه، ويتمثل المشروع الطموح في إنجاز خط أنابيب ضخم لنقل الهيدروجين الأخضر ينطلق من الجنوب الجزائري، ويعبر إيطاليا والنمسا، ليصل إلى مصانع ومنشآت الطاقة في ألمانيا.

هذا المشروع، الذي تصفه برلين بـ "الحيوي لوجودها الصناعي"، يضع الجزائر في قلب إستراتيجية التحول الطاقوي الأوروبي لعقود قادمة. أما البعد الثاني، فيخص التكنولوجيا والدفاع بشراكة إستراتيجية بامتياز، حيث صنفت الجزائر الشريك الأول لألمانيا في القارة الإفريقية، ويؤكد محللون أن بيع المعدات لا يتم إلا لدولة تتمتع بثقة إستراتيجية عالية وتقاطع مصالح واضح، وهو ما يعكس تحالفاً من الدرجة الأولى بين البلدين.

ومن خلال الجمع بين محاور أربعة كبرى – التوأمة المؤسسية، وإعادة توازن التبادل التجاري، والطاقة المتجددة عبر ممر الهيدروجين، والتعاون الدفاعي والتكنولوجي – تقدم الشراكة الجزائرية الألمانية نموذجاً متكاملاً نادراً في العلاقات بين دول الشمال والجنوب، فهي لم تعد مجرد عقود شراء أو بيع، بل أصبحت رؤية شاملة تمزج بين نقل المهارات، وتأمين احتياجات المستقبل، وبناء تحالفات جيوسياسية رابحة. بالنسبة للجزائر، تشكل هذه الشراكة فرصة تاريخية لتنويع اقتصادها والارتقاء بصادراتها خارج المحروقات. أما بالنسبة لألمانيا، فهي تأمين لمسار التحول الطاقوي وتعزيز للوجود في منطقة متوسطية حيوية.

ففي زمن تتسارع فيه التحولات العالمية، يقدم هذا المحور الناشئ بين الجزائر وبرلين إجابة واضحة عما يمكن أن تكون عليه التعاونيات الناجحة في عالم ما بعد الأحادية القطبية.