اسلاميات

الاستثمار في الإنسان من منظور إسلامي

الاستثمار في الإنسان في الإسلام هو محور التنمية وأساس عمارة الأرض

  • 76
  • 2:50 دقيقة
الدكتور عبدالحق حميش
الدكتور عبدالحق حميش

ظهرت بالأمس نتائج امتحانات شهادة الثانوية العامة (البكالوريا)، وبهذه المناسبة نبارك للناجحين والناجحات ونتمنى لهم مواصلة حياة علمية موفقة ومتألقة، وفي الوقت نفسه ندعو للذين لم يحالفهم الحظ بالنجاح هذه المرة ندعوهم إلى عدم الاستسلام، ونخبرهم بأن حياة الحياة الإنسان لا تتوقف عند شهادة أو مرحلة دراسية معينة، فكم وكم من النابغين والناجحين في حياتهم لم ينالوا هذه الشهادة.

الاستثمار في الإنسان في الإسلام هو محور التنمية وأساس عمارة الأرض، إذ يهدف إلى بناء شخصية متوازنة روحيا، وعقليا، وجسديا.

يُعد الاستثمار في الثروة البشرية الغاية الأساسية للتنمية الشاملة في الإسلام؛ إذ يركز على بناء الإنسان الصالح، والعالم النافع، والقوي الأمين. ويهدف هذا الاستثمار إلى صقل قدرات الفرد الإيمانية، والعقلية، والبدنية، والمهنية ليكون عنصرا فاعلا في عمارة الأرض، وتحقيق الاستخلاف، والارتقاء بالمجتمع.

وبناء عليه يمكن تحديد مفهوم تنمية الموارد البشرية بأنه “عملية واسعة وشاملة ومستمرة ومتعددة الجوانب لتغيير حياة الإنسان وتطويرها إلى الأفضل”.

ولما كان الإسلام يستهدف تحقيق نفس الغايات المتضمنة في مشاريع التنمية البشرية، فقد وضع الباحثون المسلمون “التنمية البشرية” ضمن نطاق اهتماماتهم، وقدموا أبحاثا وخطابات توظف مفاهيمها للترويج لأفكار ذات مضمون إسلامي.
يرتكز الاستثمار البشري من المنظور الإسلامي على عدة محاور رئيسية:

-الاستخلاف والإعمار: يرى الإسلام أن الإنسان مستخلف في الأرض، ومكلف بإصلاحها واستثمار طاقاته وموارده، وتعد عمارة الأرض عبادة يتقرب بها إلى الله.

-العناية بالتعليم وطلب العلم: فقد جعل الإسلام طلب العلم فريضة، ورتّب عليه أجورا عظيمة، لأنه يحرر العقل من الجهل ويبني الأمة معرفيا ومهاريا.

-الاهتمام بالصحة والبدن: حث الإسلام على حفظ النفس، ووجوب العناية بالصحة والشباب قبل الهرم والمرض، لقول النبي محمد صلّى الله عليه وسلم: “اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك..”.

- التزكية والأخلاق: الاستثمار في الإنسان لا يقتصر على الجانب المادي أو العقلي فحسب، بل يشمل تزكية النفس وبناء القيم والأخلاق كالصدق، والأمانة، والإتقان، والمسؤولية.

- التمكين الاقتصادي والعمل: يحارب الإسلام التواكل والبطالة، ويقدس العمل ويسعى لتمكين الأفراد عبر آليات تضمن تكافؤ الفرص وتوزيع الثروة، مثل الزكاة، والوقف، والمشاريع الإنتاجية القائمة على تقاسم الأرباح والمخاطر.

- تحقيق الكفاية والرفاهية: يسعى هذا الاستثمار إلى القضاء على الفقر وتوفير الحياة الكريمة للأفراد من خلال العمل المنتج.

ينظر الإسلام للتنمية البشرية على أنها الحياة الطيبة، وهو بذلك سبق وفاق ما كان عليه مفهومها وما آل إليه وما اختلف في مسماها، فهو لا ينظر لصنع الثروة بقدر ما ينظر إلى صانع تلك الثروة وهو الإنسان، وهو بطبيعته أكرم مخلوق، ومن أجله سخر له الله تعالى الكون خادما لا مستخدما فقال تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا}.

وحث النبي صلّى الله عليه وسلم على التخطيط المستقبلي حيث قال: “إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس”، وإذا كان التخطيط لمستقبل الورثة، وهم أفراد محدودون، مأمور به، فإن التخطيط لمستقبل المجتمعات والشعوب والدول أهم وأكثر حاجة.

ثم يأتي العمل الذي يعد الأساس والمحور الذي تدور عليه عملية تنمية الموارد البشرية، وقد اهتم الإسلام بالعمل وحث عليه سواء كان عملا تعبديا أو مهنيا ورفع من قيمة العمل، يقول تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا}، {وقلِ اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون}.

ويحث النبي صلّى الله عليه وسلم على العمل فقال: “ما كسب الرجل كسبا أطيب من عمل يده، وما أنفق الرجل على نفسه وأهله وولده وخادمه فهو صدقة”.

إن الاستثمار في الإنسان والشباب خاصة هو استثمار في بناء الأمم ومستقبلها. ولقد أولى ديننا الإسلامي هذه المرحلة عناية فائقة باعتبارها مرحلة القوة والقدرة على العطاء، وركّز على توجيه طاقاتهم نحو العلم، العمل، والدعوة. ويتجلى هذا الاستثمار في غرس القيم الأخلاقية، وتحمل المسؤولية، وتوفير سبل التحصين والحماية من الانحراف.