قال شيخ الوعظ ابن الجوزي رحمه الله: بكرت يوما أطلب الخلوة إلى جامع الرصافة، فجعلت أجول وحدي وأتفكّر في ذلك المكان ومَن كان به من العلماء والصالحين، ورأيت أقواما قد جاوروا فيه فسألتُ أحدهم: منذ كم أنت ها هنا؟ فأومأ إلى قريب من أربعين سنة، فرأيته في بيت كثير الدَّرَن والوسخ، وجعلت أتفكر في حبسه لنفسه عن النكاح هذه المدة، فأخذت النفس تحسِّنُ ذلك وتذمّ الدنيا والاغترار بها، فأقبل العلم ينكر على النفس، ويبيّن لها حقائق الأمور، وموضوع الشرع يقوي ما قال العلم.
فقلت للنفس: اعلمي أن هؤلاء على ضربين: منهم مَن يجاهد نفسه في الصبر على هذه الأحوال، فتفوته فضائل المخالطة لأهل العلم والعمل وطلب الولد ونفع الخلق، وانتفاع نفسه بمجالسة أهل الفهم، فيحدث له من نفسه حالة تشابه فيها الوحش، فتُؤْثِرُ الانفرادَ لنفس الانفراد، وربما يبس الطبع وساء الخلق، وربما حدث من حبس مائه المحتقن سُمِّيَةٌ أفسدت بدنه وعقله، وربما أورثته الخلوة وسوسة، وربما ظن أنه من الأولياء، وربما خيّل له الشيطان أشياء من الخيالات وهو يعدها كرامات!!
والضرب الثاني: مشايخ قد فنوا فانقطعوا ضرورةً، إذ ليس لأحدهم مأوى، فهم في مقام الزَّمْني، وإن كان الضرب الأول قد قطعوا حبل نفوسهم في العلم والعمل والكسب، وتعلقت هممهم بفتوح (عطية أو هدية تقدم إليهم) يطرق عليهم الباب، فرضوا بالعمى بعد البصر، وبالزَّمْن (المرض) بعد الإطلاق.
فقالت لي النفس: لا أرضى هذا الذي تقوله، فإنك إنما تميل إلى إيثار نكاح المستحسنات والمطاعم المشتهيات، فإذا لم تكن من أهل التعبد فلا تطعن فيهم، فقلت لها: إن فهمت حدثتك وإن كنت تقلدين صور الأحوال فلا فهم لك.
أما المستحسنات فإن المقصود من النكاح أشياء منها طلب الولد، ومنها شفاء النفس بإخراج الفضلة المؤذية، وكمال خروجها لا يكون إلا بوجود المستحسن، وأما المطاعم فالجاهل من يطلبها لذاتها، وإنما المراد الأخذ منها ما يصلح الحال.
وهذه الفنون التي أشرت إليها إن قصدت للحاجة إليها، أو لقضاء وطر النفس منها، فكله قصد صحيح لا يعكر عليه من يقوم ويقعد في ركعات لا يفهم معناها، فكم فوتت العزلة علما يصلح به أصل الدِّين، وكم أوقعت في بلية هلك بها الدِّين، وإنما عزلة العالم عن الشر فحسب، والله الموفق.
إمام مسجد عمر بن الخطاب - بن غازي - براقي
الخبر
25/05/2026 - 00:05
الخبر
25/05/2026 - 00:05
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال