ثقافة

السجاد الأحمر.. عندما نستورد المظهر ونترك الجوهر

الأسوأ أننا لا نكتفي بإفراغ الرمز من مضمونه، لكن نعيد إنتاجه بشكل مشوه.

  • 717
  • 1:38 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

لم نأخذ من المهرجانات، خاصة في عالم السينما، سوى السجاد الأحمر كواجهة تخفي واقع السينما في بلادنا. في لحظة استعراض عابر، تحول الحدث إلى صورة، وتحولت الصورة إلى غاية، قبل أن ينقلب كل شيء ليصبح السجاد الأحمر هو الحدث، وهو البداية والنهاية، بينما غاب المعنى الذي وجدت من أجله هذه المواعيد أساسا 

في أصلها، ومنذ البدايات الأولى للعرض الفني في العهد اليوناني، مرورا بتحولات الفرجة عبر الأزمنة، وصولا إلى تجارب الصناعات السينمائية الكبرى، لم تكن تلك التظاهرات مجرد مناسبات للظهور، وإنما فضاءات لصناعة القيمة، لاكتشاف الأعمال، وخلق نقاش حي بين الفنانين والنقاد والجمهور. كانت  تقاس بقدرتها على طرح الأسئلة الفنية، وتحريك الحس الجمالي، وفتح آفاق جديدة للصناعة السينمائية.

 عندما يختزل كل ذلك في المرور أمام عدسات الكاميرا، كما يحدث عندنا، نكون قد استوردنا المظهر وتركنا الجوهر.

ما يحدث اليوم يكشف خللا أعمق في فهمنا للفعل الثقافي. نميل إلى استنساخ الأشكال دون امتلاك شروطها، ونستعجل النتائج دون بناء المسارات التي تفضي إليها. لذلك تبدو بعض تظاهراتنا وكأنها تحاول إقناع نفسها قبل الآخرين، وتكتفي بإنتاج الانطباع بدل صناعة الأثر.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بقطعة قماش حمراء، وإنما بطريقة تفكير كاملة. حين يفرش السجاد الأحمر في كل مناسبة، لا نكرس قيمة الحدث، بل نسوي بين الأحداث. وحين يصبح المرور عليه هو اللحظة الأبرز، أو الجسر الذي يعبر عليه البعض نحو نجومية زائفة، يفقد معناه كمسار للتميز والاعتراف.

الأسوأ أننا لا نكتفي بإفراغ الرمز من مضمونه، لكن نعيد إنتاجه بشكل مشوه، حتى يغدو أقرب إلى ديكور احتفالي فارغ منه إلى تقليد ثقافي له دلالته. في هذه الحالة، لا يعود السجاد الأحمر علامة هيبة، وإنما دليلاعلى غيابها.

أعتقد حان الوقت لقولها بوضوح.... ليست كل التظاهرات بحاجة إلى سجاد أحمر، وليست كل الوجوه بحاجة إلى عدسة، وليست كل لحظة تستحق أن تتحول إلى صورة. فالسجاد الأحمر ليس قيمة في ذاته، وإنما أداة رمزية. إذا لم يخدم معنى الحدث، فالأجدر إعادة التفكير فيه، أو حتى التخلي عنه لصالح شكل أكثر صدقا مع هويتنا الثقافية.

فالجرأة الحقيقية أحيانا لا تكمن في فرش السجاد… وإنما في القدرة على سحبه حين يفقد معناه.