مجتمع

"الصدمة لا تمحى بل ينبغي التعايش معها"

الأطفال ضحايا حريق دار الأيتام يحتاجون إلى مرافقة طويلة الأمد لتجاوز الفاجعة، حسب المختصة النفسية، سميرة فكراش.

  • 242
  • 3:36 دقيقة
الصورة: الحماية المدنية
الصورة: الحماية المدنية

أوضحت المختصة النفسية سميرة فكراش، في حديثها مع "الخبر"، أن الأطفال الذين يعيشون في دور الرعاية يختلفون عن غيرهم في طريقة تأثرهم بالأزمات والكوارث، لأنهم يفتقدون إلى السند الأسري الذي يمثل، عادة، مصدر الطمأنينة الأول بعد التعرض لأي حادث مؤلم، وهو ما يجعل وقع الصدمة عليهم أشد وأعمق.

وقالت إن ما عاشه هؤلاء الأطفال لا يقتصر على تجربة النجاة من حريق مهدد للحياة، بل يشمل أيضا فقدان أشخاص كانوا بالنسبة إليهم بمثابة الإخوة، إذ إن العلاقات التي تنشأ داخل دور الرعاية تتجاوز حدود الصداقة، لتصبح روابط أسرية بديلة يعيشها الأطفال يوميا، الأمر الذي يجعل فقدان أحدهم أو مجموعة منهم يضاعف الإحساس بالحزن والوحدة وفقدان الأمان.

وأكدت فكراش أن التدخل النفسي بعد مثل هذه الكوارث يمر بمراحل مدروسة، تبدأ بما يعرف بالإسعافات الأولية النفسية، التي تركز خلال الأيام والأسابيع الأولى على توفير الشعور بالأمان والاحتواء النفسي، إلى جانب تلبية الاحتياجات الأساسية من علاج ورعاية وغذاء ومكان آمن، دون التسرع في إخضاع الطفل لعلاج نفسي معمق.

وأوضحت أن الطفل خلال هذه المرحلة يكون في حالة ذهول وصدمة، لذلك فإن أهم ما يحتاج إليه هو وجود أشخاص يستمعون إليه باهتمام وتعاطف، ويمنحونه فرصة للتعبير عن مشاعره بحرية، بعيدا عن الأحكام أو النصائح الجاهزة. كما ينبغي السماح له بسرد تفاصيل ما عاشه كلما احتاج إلى ذلك، لأن تكرار الحديث عن الحادث يعد وسيلة طبيعية يحاول من خلالها الدماغ استيعاب ما جرى.

مضيفة أن العلاج النفسي المتخصص لا يبدأ مباشرة بعد وقوع الحادث، وإنما بعد استقرار الحالة الصحية والنفسية الأولية للطفل، أي بعد نحو ثلاثة أسابيع، وهي الفترة التي يبدأ فيها الجسم والعقل بالخروج تدريجيا من حالة الصدمة الحادة.

وأشارت إلى أن هذه المرحلة تمثل نقطة فاصلة بين رد الفعل الطبيعي تجاه الكارثة وبين احتمال تطور الحالة إلى اضطراب ما بعد الصدمة، وهو ما يستدعي تدخلا متخصصا يعتمد على برامج علاجية مدروسة تساعد الطفل على استعادة توازنه النفسي.

وأكدت أن الهدف من العلاج النفسي ليس إزالة الذكريات المؤلمة أو محوها، لأن الصدمة تصبح جزءا من تاريخ الإنسان، وإنما مساعدته على التعايش معها بطريقة صحية، بحيث لا تبقى الذكرى سببا دائما للخوف أو القلق أو تعطيل حياته اليومية.

وأشارت المختصة النفسية إلى أن الأطفال الناجين قد تظهر عليهم مجموعة من الأعراض النفسية والسلوكية، من بينها الإنكار، واسترجاع مشاهد الحريق بصورة متكررة، والكوابيس، واضطرابات النوم، والخوف من البقاء بمفردهم، إضافة إلى القلق الشديد، والتشتت الذهني، وصعوبة التركيز، وهي مؤشرات تستوجب المتابعة النفسية وعدم التقليل من شأنها.

وشددت المتحدثة على أهمية اعتماد وسائل علاجية تتناسب مع أعمار الأطفال، لأن الطفل غالبا لا يستطيع التعبير بالكلمات عن حجم الألم الذي يشعر به، لذلك يعتمد الأخصائي النفسي على الرسم واللعب والدمى والأنشطة الإبداعية، باعتبارها وسائل تساعده على إخراج مشاعره والتعبير عن مخاوفه بطريقة آمنة، كما تمنحه شعورا تدريجيا بالسيطرة على الذكريات المؤلمة، بدلا من أن يبقى أسيرا لها.

وفيما يتعلق بإبلاغ الأطفال بوفاة رفاقهم، دعت فكراش إلى التعامل مع الأمر بصدق وبأسلوب يناسب أعمارهم، مع تجنب العبارات المضللة، مثل "ذهب في رحلة" أو "نام ولن يستيقظ"، لأن مثل هذه العبارات قد تزرع لديهم مخاوف جديدة من النوم أو من غياب الأشخاص الذين يحبونهم. كما أكدت ضرورة منح الطفل الوقت الكافي لاستيعاب الخبر، مع احترام ردود أفعاله المختلفة، سواء تمثلت في البكاء أو الصمت أو الغضب أو الإنكار.

مردفة أن مشاركة الطفل في مراسم الوداع أو زيارة المقبرة ينبغي أن تتم وفق رغبته، دون أي إجبار، مع تهيئته مسبقا لما سيشاهده هناك، ومرافقته من قبل شخص يثق به، حتى لا تتحول تجربة الوداع إلى صدمة إضافية.

إعادة بناء الشعور بالأمن                       

وأكدت أن إعادة بناء الشعور بالأمان لا تتحقق بالعلاج النفسي فقط، وإنما أيضا من خلال إعادة الطفل تدريجيا إلى روتينه اليومي، وتشجيعه على ممارسة أنشطته المعتادة، والاندماج في المدرسة أو الفضاءات الترفيهية، وبناء علاقات اجتماعية جديدة، مع ترسيخ فكرة أن الحياة تستمر رغم الألم، وأن المستقبل لا يزال يحمل فرصا للأمل.

كما شددت على أن الدعم النفسي يجب ألا يقتصر على الأطفال فقط، بل ينبغي أن يشمل المشرفين والمربين والعاملين داخل دور الرعاية، لأنهم يعيشون بدورهم آثار الحادث ويتحملون مسؤولية كبيرة في احتواء الأطفال. وأوضحت أن توفير المرافقة النفسية لهذه الفئة يقيها من الاحتراق النفسي، ويمكنها من مواصلة أداء دورها في توفير بيئة آمنة ومستقرة للأطفال.

وختمت فكراش بالتأكيد على أن مثل هذه الكوارث تبرز الحاجة إلى إدراج الدعم النفسي ضمن خطط الطوارئ في مؤسسات رعاية الأطفال، وأن يتحول إلى برنامج دائم، وليس مجرد تدخل ظرفي، لأن الاستثمار في الصحة النفسية للأطفال والعاملين معهم يعد استثمارا في مستقبلهم، ويساعدهم على تجاوز المحنة واستعادة القدرة على مواصلة حياتهم بثقة وأمان.