مجتمع

الاحتيال الإلكتروني يتربص بأموال الجزائريين

مكالمة هاتفية تفرغ الحساب في ثوان.

  • 882
  • 4:13 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

لم يعد النصب والاحتيال الإلكتروني في الجزائر مجرد رسائل مشبوهة أو إعلانات وهمية يسهل اكتشافها، بل تحول إلى أساليب خداع متطورة تستغل ثقة المواطنين في المؤسسات الرسمية والمالية، وتستدرجهم عبر عروض تجارية مغرية وروابط إلكترونية مزيفة، قبل أن تنتهي في كثير من الحالات بالاستيلاء على مدخراتهم في دقائق معدودة. وبين مواطن يفقد 20 مليون سنتيم من حسابه البريدي عقب مكالمة هاتفية بدت له عادية، ومحتالين ينتحلون صفة مؤسسات معروفة، تتصاعد التساؤلات بشأن فعالية إجراءات الحماية، ومسؤولية المؤسسات المالية والرقمية في تأمين معاملات زبائنها، ومدى قدرة العدالة على تعقب الجناة واسترجاع الأموال المنهوبة.

تأتي هذه الانشغالات بالتزامن مع إطلاق الحملة الوطنية التوعوية والتحسيسية للوقاية من النصب والاحتيال عبر الإنترنت، الممتدة من 25 إلى 30 أكتوبر الجاري، بمشاركة قطاع البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية، في خطوة تهدف إلى رفع مستوى الوعي بالمخاطر الرقمية وتحذير المواطنين من الوقوع ضحايا لعمليات الاحتيال التي تتخذ أشكالا متجددة.

اتساع نطاق الظاهرة يطرح إشكالية تتجاوز توعية المواطن بضرورة الحذر، لتشمل مدى جاهزية المؤسسات المالية ومقدمي الخدمات الإلكترونية لاكتشاف العمليات المشبوهة والتدخل السريع لحماية الحسابات، خاصة في ظل التوسع المتواصل في استخدام وسائل الدفع الإلكتروني والتجارة عبر الإنترنت.

سائق سيارة أجرة يخسر 20 مليون سنتيم في دقائق ..

ومن بين الوقائع التي تكشف خطورة هذه الأساليب، تجربة عابو محفوظ، سائق سيارة أجرة بالعاصمة، الذي وجد نفسه ضحية عملية احتيال إلكتروني انتهت بخصم مبلغ 20 مليون سنتيم، من حسابه البريدي الجاري، بعدما حاول اقتناء إطارات لسيارته عبر منصة إلكترونية تحمل شعار شركة "نفطال".

ويروي محفوظ، في تصريح لـ "الخبر"، أن الحادثة بدأت عندما اطلع على عرض لبيع إطارات السيارات بأسعار ميسرة، فقام بإدخال اسمه ولقبه واختيار المنتجات التي يرغب في اقتنائها، قبل أن يتلقى اتصالا هاتفيا من شخص قدم نفسه على أنه مكلف بمتابعة الطلبيات وتأكيد عمليات الشراء.

وأوضح أن ما أثار ثقته في المتصل هو امتلاكه معلومات دقيقة عن الطلبية، بما فيها نوع الإطارات وأسعارها وعلاماتها التجارية، على غرار "إيريس" و"بريدجستون"، الأمر الذي جعله يعتقد أنه يتعامل مع ممثل حقيقي للجهة التي تقدم العرض.

وخلال المكالمة، طلب منه المتصل قراءة مجموعة من الأرقام ورموز التحقق التي وصلت إلى هاتفه، بحجة استكمال إجراءات تأكيد الطلبية، ورغم ظهور رسالة تحذيرية تحمل عبارة "Attention aux arnaqueurs"، أي "احذروا المحتالين"، نجح المتصل في إقناعه بأنها مجرد إجراءات أمنية عادية مرتبطة بعملية الشراء.

ولم تمض سوى لحظات على انتهاء المكالمة حتى تلقى رسالة نصية من بريد الجزائر تعلمه بخصم 200 ألف دينار من حسابه، ليدرك أنه وقع ضحية عملية احتيال استغلت ثقته في المنصة الإلكترونية ومعرفة المتصل بتفاصيل طلبه.

وتعكس هذه الواقعة إحدى أخطر تقنيات الاحتيال الحديثة، القائمة على استدراج الضحية إلى تقديم رموز التحقق بنفسه، بعدما يتم إقناعه بأن العملية جزء من إجراء تجاري مشروع، وهو ما يجعل اكتشاف الخداع أكثر صعوبة بالنسبة للمستخدم العادي.

"المحتالون يستغلون ثقة المواطنين في بريد الجزائر والبنوك"

أكد حرزلي محفوظ، رئيس الاتحاد الوطني لحماية المستهلك، في تصريح لـ "الخبر"، أن الاحتيال الإلكتروني أصبح من الانشغالات المتزايدة في الجزائر، بالتزامن مع انتشار التجارة الإلكترونية وتوسع استخدام مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الدفع الرقمي.

وأوضح حرزلي أن المحتالين لم يعودوا يعتمدون على أساليب النصب التقليدية، بل باتوا يستخدمون تقنيات أكثر تطورا، تشمل إنشاء صفحات تجارية وهمية تعرض منتجات بأسعار مغرية، قبل مطالبة الزبائن بالدفع المسبق والاختفاء دون تسليم السلع، إلى جانب نشر عروض وهمية للاستثمار والربح السريع.

كما أشار إلى أن من أخطر الممارسات إرسال رسائل نصية تنتحل صفة مؤسسات رسمية ومالية، على غرار بريد الجزائر والبنوك، لإيهام المواطنين بوجود مشكلات في حساباتهم أو بطاقاتهم الذهبية، ودفعهم إلى الضغط على روابط مزيفة وإدخال بياناتهم الشخصية والمصرفية. 

وحسب المتحدث، فإن خطورة هذه الأساليب تكمن في استغلال المحتالين لعامل الثقة والخوف والاستعجال، إذ قد يتلقى المواطن رسالة تبدو رسمية وتحتوي على معلومات مقنعة، فيستجيب لها دون التحقق من مصدرها، ليكتشف لاحقا تعرض حسابه للاستغلال.

وكشف رئيس الاتحاد أن مصالحه تتلقى انشغالات من مواطنين بشأن ممارسات احتيالية عبر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، مشيرا إلى ضرورة التمييز بين الشكاوى التي تصل إلى الاتحاد مباشرة والحالات المتداولة عبر المنصات الرقمية ووسائل الإعلام.

حماية المستهلك مسؤولية المؤسسات أيضا

وشدد حرزلي على أن تحميل المواطنين كامل المسؤولية عن تعرضهم للاحتيال أمر غير منصف، بالنظر إلى تطور وسائل الخداع واستعمال المحتالين معلومات شخصية وشعارات مؤسسات معروفة لإضفاء المصداقية على عملياتهم.

وأكد أن الظاهرة لا تستهدف فئة عمرية محددة، فرغم أن كبار السن والأشخاص الأقل خبرة في استعمال الخدمات الرقمية قد يكونون أكثر عرضة لبعض أساليب النصب، فإن الشباب بدورهم يقعون ضحايا للصفحات التجارية الوهمية والروابط المزيفة والعروض المغرية.

واعتبر أن مفهوم حماية المستهلك في ظل التحول الرقمي لم يعد يقتصر على مراقبة الأسعار وجودة المنتجات، وإنما أصبح يشمل حماية البيانات الشخصية والمصرفية وتأمين المعاملات المالية وضمان حق الضحايا في التبليغ ومتابعة شكاواهم.

وفي هذا الإطار، دعا إلى تعزيز مسؤولية المؤسسات البنكية والمالية ومقدمي الخدمات الإلكترونية في تأمين حسابات زبائنهم، من خلال تطوير أنظمة الكشف المبكر عن العمليات المشبوهة، وتحسين وسائل التحقق من المعاملات، وتوفير آليات سريعة للاستجابة عند الاشتباه في عمليات احتيالية.

كما شدد على أهمية التنسيق بين المؤسسات المالية ومصالح الأمن والجهات الرقابية وجمعيات حماية المستهلك، مع تكثيف التحذيرات الرسمية بشأن أساليب النصب المستجدة، وتسهيل إجراءات الإبلاغ عن محاولات الاستيلاء على الأموال.

ودعا حرزلي إلى إدراج التوعية بالمخاطر الرقمية ضمن البرامج الموجهة إلى المدارس والجامعات ووسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، مع التركيز على عدم مشاركة كلمات المرور ورموز التحقق، والتحذير من الروابط والصفحات التي تنتحل صفة المؤسسات الرسمية.