الوطن

أحزاب سياسية تدفع ضريبة المقاطعة

برز هذا المعطى بشكل واضح على مستوى ولاية الجزائر، التي تعد أكبر الدوائر الانتخابية وأكثرها تعقيدا من الناحية التنظيمية.

  • 510
  • 3:22 دقيقة
من تشريعيات 2021، الصورة: رياض قرامدي، وكالة الأنباء الفرنسية.
من تشريعيات 2021، الصورة: رياض قرامدي، وكالة الأنباء الفرنسية.

سلّطت النتائج الأولية المرتبطة بمرحلة إيداع ملفات الترشح للانتخابات التشريعية المقبلة الضوء على انعكاسات خيار المقاطعة أو عدم المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية السابقة على الوضع التنظيمي والانتخابي للأحزاب السياسية، خاصة فيما يتعلق بقدرتها على استيفاء الشروط القانونية المطلوبة للترشح، وفي مقدمتها جمع الاستمارات الفردية.

وبرز هذا المعطى بشكل واضح على مستوى ولاية الجزائر، التي تعد أكبر الدوائر الانتخابية وأكثرها تعقيدا من الناحية التنظيمية، حيث يفرض القانون على القوائم التي لا تملك نسبة 4 % من الأصوات في الانتخابات السابقة جمع ما لا يقل عن 4650 استمارة فردية من الناخبين لقبول قائمة العاصمة التي تضم 38 مترشحا يتنافسون على 31 مقعدا بالمجلس الشعبي الوطني.

وبحسب المعطيات المتداولة مع نهاية مرحلة الإيداع، لم يتمكن عدد من الأحزاب السياسية التي لم تشارك في الانتخابات التشريعية لسنة 2021، أو تلك التي شاركت دون أن تحقق النصاب الذي يسمح لها بالاستفادة من الإعفاء القانوني من جمع التوقيعات، من بلوغ العدد المطلوب من الاستمارات، وهو ما أدى عمليا إلى تعثر حضورها في بعض الولايات وعلى رأسها العاصمة.

وتطرح هذه الوضعية نقاشا سياسيا وتنظيميا حول الكلفة التي قد تترتب عن خيار المقاطعة على المدى المتوسط والبعيد، إذ يبدو أن بعض الأحزاب وجدت نفسها أمام واقع مختلف عند العودة إلى المنافسة الانتخابية بعدما أصبحت مطالبة بإعادة بناء شبكاتها الميدانية واسترجاع قدراتها التعبوية من الصفر تقريبا.

ويبدو أن المشاركة الانتخابية لا ترتبط فقط بتحقيق النتائج أو الحصول على المقاعد، بل تمثل أيضا وسيلة للحفاظ على الامتداد المحلي والوجود التنظيمي واستمرار الاتصال بالناخبين، وهي عناصر تتحول إلى أدوات ضرورية خلال مراحل جمع التوقيعات وتشكيل القوائم وإدارة الحملات.

ولهذا السبب وجدت الأحزاب التي ابتعدت عن المسار الانتخابي خلال دورات سابقة نفسها خلال الأسابيع الماضية أمام تحديات ميدانية معقدة، شملت تعبئة المناضلين، تنظيم عمليات جمع الاستمارات، تغطية الأحياء والمقاطعات الإدارية وضبط الملفات الإدارية للمترشحين، وهي عمليات تحتاج إلى هياكل نشطة وقواعد تنظيمية قادرة على التحرك بسرعة.

كما تحدثت بعض التشكيلات السياسية عن صعوبات وعراقيل واجهتها خلال مرحلة جمع الاستمارات، سواء من حيث عامل الوقت أو الجوانب التنظيمية واللوجستية المتعلقة بتسجيل الاستمارات على منصة السلطة الوطنية للانتخابات، غير أن هذه المعطيات أعادت في الوقت نفسه النقاش حول مدى احتفاظ تلك الأحزاب بقدرتها على التعبئة الشعبية بعد سنوات من الغياب الانتخابي أو الحضور المحدود.

وفي جميع الأحوال لا يمكن حصر أسباب عدم بلوغ النصاب المطلوب بعامل واحد فقط، غير أن النتيجة النهائية لعملية إيداع الملفات أظهرت وجود فجوة بين الخطاب السياسي لبعض الأحزاب وقدرتها الفعلية على التحرك الميداني واستقطاب الدعم الضروري لتأهيل قوائم، كما كشفت مرحلة جمع الاستمارات أن العودة إلى المنافسة بعد المقاطعة ليست عملية تلقائية، بل تتطلب إعادة بناء الآليات التنظيمية واسترجاع الحضور المحلي وتوسيع شبكات المناضلين والمتعاطفين، خاصة في الولايات الكبرى التي ترتفع فيها العتبات القانونية المطلوبة.

ولا يعني هذا الواقع بالضرورة إسقاط حق الأحزاب في تبني خيار المقاطعة باعتباره موقفا سياسيا مشروعا، غير أن التطورات الحالية تبرز أن لهذا الخيار انعكاسات عملية قد تظهر لاحقا عند العودة إلى الاستحقاقات الانتخابية، خصوصا عندما ترتبط المشاركة بشروط إجرائية دقيقة تتطلب حضورا ميدانيا دائما.

وفي وسط هذه المعطيات صنع حزب العمال الاستثناء، فرغم مقاطعة تشريعيات 2021 وغيابه عن المجلس الشعبي الوطني خلال السنوات الخمس الماضية، تمكن هذه المرة من تجاوز عقبة الاستمارات على مستوى ولاية الجزائر، بعد جمع وإيداع ما يقارب 4800 استمارة مرفقة بملفات الترشح، وهو رقم يتجاوز الحجم المطلوب قانونا لاستكمال القائمة بالعاصمة.

وتحمل هذه النتيجة بعدا يتجاوز الجانب الإجرائي، إذ تعكس قناعة داخل الحزب بضرورة استعادة الحضور المؤسساتي والعودة إلى المجلس الشعبي الوطني، بعد تجربة المقاطعة التي لم تؤد عمليا إلى تعزيز الموقع التنظيمي للحزب بقدر ما فرضت عليه لاحقا تحدي إعادة تنشيط قواعده وإعادة بناء ديناميكية التعبئة.

ويبدو أن الدرس الأبرز الذي أفرزته مرحلة الاستمارات يتمثل في أن أي رهان انتخابي مستقبلي لم يعد مرتبطا فقط بالمواقف السياسية أو الخطاب الحزبي، بل أصبح مرهونا أيضا بامتلاك شبكة تنظيمية قادرة على العمل الميداني المستمر، لأن استيفاء الشروط القانونية يبدأ فعليا قبل فترة طويلة من موعد الاقتراع، ويحتاج إلى تراكم بشري وتنظيمي لا يمكن بناؤه في الأيام الأخيرة.

وفي انتظار النتائج النهائية الخاصة بدراسة الملفات، تبرز مرحلة جمع الاستمارات كمؤشر أولي على الوزن الفعلي للأحزاب، وكاشف لقدرتها على التحول من الموقف السياسي إلى الفعل التنظيمي.